المعصية والتربية والخيانة والحرمان
بقلمي جمال القاضي
يظن البعض ان وراء كل خيانة حرمان، لكن الحقيقة غير ذلك .
ربما رأينا وسمعنا عن أشخاص راحوا يتسولون حتى صاروا أثرياءًا من بعد هذا التسول، لكنهم لم يكفوا ابد عن هذا التسول، ربما رأينا ومازلنا نرى في حياتنا ومن حولنا رجلًا يتزوج بسيدة هي من أجمل الجميلات، لكنه يذهب لغيرها سالكًا طريقًا غير ماشرعه الله له وذهب في طريق الحرام، ربما سمعنا عن شخص يمتلك الكثير من المال الذي كان من ميراث حلال كان من قسمته دون ان يتعب هو في جمعه، لكنه راح يحصد مالًا غيره من حرام عن طريق السرقة او النصب والاحتيال أو بغير ذلك .
ربما نتعجب من شخص ذهب لزيارة أحد أقاربه وهناك تعد له مائدة العشاء فيُقدم على الطعام بشراهة ملتهمًا كل اللحوم التي وضعت عليها، رغم انه لم يمضي على آخر وجبة تناولها في منزله سوى ساعة أو أكثر وكانت من نفس هذه اللحوم .
وغيرها مما شابه ذلك، الأمر الذي يجعلنا نتعجب من كل هذا ونسأل انفسنا ونقف حائرين أمام مانرى ومايمكننا أن نجيب به عن هذه التساؤلات
ومن هذه التساؤلات :
لماذا كانت خيانة من تزوج بجميلة الجميلات ؟ ولماذا خانت من تزوجت برجل لم يقصر مع زوجته ولم يحرمها من حقوقها المادية والمعنوية والجسدية؟
لماذا سرق هذا الغني رغم هذا الثراء الذي كان عليه قبل ان يشرع او يقكر في أول عملية سرقة كانت منه ؟ لماذا كان استمرار هذا الغني في تسوله بعد ان اغتنى من تسوله بعد فترة وجيزة؟ وغير ذلك من تساؤلات تدور في الأذهان دون ان نصل لإجابة مقنعة احيانا حين نسألها لأنفسنا أو نسألها لغيرنا .
في الحقيقة مانراه لايرتبط ابدا بالحرمان، فلو كانت مرتبطاً بالحرمان لرأينا كل أرملة تزني وكل مطلقة تبحث عمن يفعل معها الرذيلة، ورأينا وكل فقير يجلس يمد يده بالشوارع، وكل عني لايسرق، لكن الحرمان ليس له علاقة ابدا من قريب أو من بعيد بكل هذه الظواهر الغريبة التي تنافي جوهر الرؤية وتعمق الحقيقة .
السبب الحقيقي في كل مانراه يكمن في عدة أسباب والتي منها
١- الدين والتدين والخوف من الله
التدين يجعل الإنسان يقتنع بمااعطاه الله له من نعم، فهو يعلم علم اليقين ان الذي منعه في لحظة ما سوف يعطيه في لحظة غيرها، يعلم أيضا ان الحرمان من الله لنعمة من النعم يقابلها عطاء في غيرها، مما يجعله دائما في قرب من الله، فيصبر على لحظات المنع ويدعوه ويشكره في لحظات العطاء .
كما ان الخوف من الله يجعل الإنسان يستحضر عظمة الله حين يفكر في معصية وسوس بها الشيطان لهذا العبد، فيكون خوفه من الله واستحضار عظمته مانعا له من اتيان هذه المعصية او هذا الذنب، فيتوب عنها لمجرد التفكير فيهما .
٢- اسلوب التربية وشخصية الإنسان
يختلف الأسلوب في التربية بين شخص وغيره، فهذا كانت تربيته دون ثواب أو عقاب، يفعل مايفعل دون محاسبة تحت مسمى الحرية والانفتاح ، وهذا غيره والذي كانت عيون من قاموا بتربيته مفتحة دائما، لحسابه عند أي خطأ وتوجيهه الى ماهو صواب دائما مع السماح المحدود له لان يفصح عن رغباته المكبوتة، ثم يقوم المربي له بتقويم أعوجه وإثابته على صحيحها، فكانت شخصيته تتصف بالقدرة على التفريق بين ماهو حرام وماهو حلال، بين الممنوع وبين المسموح، بين الموافق والغير موافق لتقاليد المجتمع، فلايسرق ان كان حرمانه ولايفعل الرذيلة
ان ماتت زوجته، ولايتسول بالشوارع حين يكون جوعه .
لكن السئ في الأمر هو الحرية المطلقة والتي جعلت كل شيء مباح، لاحدود هناك بين حرام أو حلال، لاضمير يعاتب، ولاتعاليم دينية بداخله تمنعه، فكان لكل فعل سيء أتى به تبريرًا، فان كان السؤال الموجه له لما فعلت جريمة الزنا مثلا ؟كان جوابه لأن زوجتي لم تمنحني حقوقي الشرعية (رغم أنها لاتمنعه اياها ابدا )، وان كان السؤال لما تتسول ؟ كان جوابه ليس معي مالًا اذهب به لعلاج أولادي أو اعالج به نفسي ( رغم مايملكه من هذا المال فهو كثير ويكفي للأجيال كثيرة من احفاده )، وان كان السؤال لماذا تسرق ؟ كان جوابه ان المجتمع هذا ظلمني وحرمني وخصوصا هؤلاء الأغنياء فيه، فهم منعوني العمل لديهم وفي شركاتهم أو مصانعهم (رغم انه لم يفكر مرة واحدة في أن يذهب لأحدهم في واقع الأمر ويسأله عن عمل شريف ).
٣- الإنحلال الفكري عن مفهوم الأسرة
هذا الإنحلال جعل من علاقات كثيرة علاقات تفسد بسرعة كبيرة، فكان هروب الأبناء وترك الأسرة لمجرد محاسبة او عقاب الابن عقابًا بسيطًا من قبل الأب أو الأم عن فعل فعله وكان يستحق العقاب، ففسدت الأسرة وتناثر جمعها .
وهذه الزوجة التي جعلت من كل فراغها هو البقاء نشطة دائمة ولاتنام ليلها على مواقع التواصل الإجتماعي أو المواقع المحرمة والتي جعلتها تسمع كل ماهو جميل في نظرها من كلمات مزيفة من المدح من قبل أشخاص لاترى وجوههم الحقيقية وتعلم انهم خلف قطعة حديدية صغيرة الحجم. وهذا كله جعلها تعيش حياتها في تمرد دائم على زوجها وعلى كل اسرتها، فراحت تبحث بعضهن عن معصية كبرى تشبع فيها رغباتها الجسدية التي لم تحرم منها ابدا في الحلال، لتنتهي بالفضيحة التي تلحق بها وبأسرتها وتخلف من ورائها العار..ثم يكون الطلاق بعدها وتتفكك الأسرة كاملة ويتفكك معها نسيج المجتمع المترابط.
نحن نعيش أسوأ اللحظات من فساد الأخلاق ثم نلصق سبب هذا الفساد بالحرمان، لكن الحرمان لم يكن ابدا سببا وراء كل معصية او جريمة فهو بريء من ذلك كله، وإنما تكوينات الشخصيات الضعيفة وعدم الخوف من اللله وعدم القناعة والرضا كانت جميعها اسبابًا وراء كل فساد .


