اللعب بالعقول

قلم الكاتب ياسر زينهم
أهلاً وسهلاً
رأيتم كيف تختفي القضايا الكبرى؟
لا تختفي لأنها تافهة بل لأن هناك من أتقن فن دفنها تحت ضجيج آخر
تخيلوا معي جزيرة
جزيرة قيل إنها جمعت أقذر صور الانحراف
أكلٌ محرم ومتعة محرمة وضحايا من الأطفال
وأسماء لو ظهرت مرة واحدة لقلبت موازين السياسة والإعلام في العالم كله
رؤساء شخصيات عامة وجوه كنا نراها كل يوم على الشاشات
كان هذا الملف كفيلاً بأن يشعل غضب العالم
كان كفيلاً بأن يُحاسب الجميع
لكن فجأة تحولت عدسة العالم كله
هكذا يُلعب بالعقول
بدل أن نبحث وجدنا أنفسنا نتابع أخبار حرب
بدل أن نسأل من المتورط؟
صرنا نسأل من سيضرب من؟
بدل أن نفتح ملفات مدفونة انشغلنا بتحليلات عسكرية وخرائط وتوقعات
العقل الذي كان سيبدأ بالحفر تم نقله إلى ساحة أخرى
ولم يكن هذا ابتكار اللحظة
هذه خطة قديمة خطة مُحكمة بدأ تنفيذها منذ أكثر من ربع قرن
خطة هدفها واحد أن نرى بعيننا فقط لا أن نفكر بعقولنا
جيل الصورة
صنعوا جيلاً يركَن عقله على الرف
ويجري خلف العنوان الأسرع، والصورة الأعلى، والترند الأعلى صوتاً
جيل يتفاعل ولا يسأل
يغضب اليوم وينسى غداً
لأن الذاكرة صارت قصيرة بفعل
حين بدأ العالم يقترب من الحقيقة
ويبدأ في كشف أسماء كانت مخفية بفعل فاعل
تم إلقاء حدث أكبر في الواجهة
حرب هنا أزمة هناك، تصريح ناري
فتُسحب البساط من تحت القضية
وتُدفن تحت ركام الأخبار
والنتيجة؟
لا محاسبة
لا مساءلة
ولا أحد يتذكر اسم الجزيرة بعد شهر
اللعب بالعقول ليس صدفة
هو صناعة
صناعة تعتمد على تشتيت الانتباه وإغراق الناس في دوامة لا تنتهي
حتى يصبح العقل عاجزاً عن الربط وعن السؤال وعن المطالبة بالحقيقة
السؤال الآن
هل سنظل نُساق من حدث إلى حدث؟
أم سنُعيد عقولنا من الرف ونبدأ نربط الخيوط بأنفسنا؟
لأن الحقيقة لا تموت
هي فقط تنتظر من يبحث عنها وسط كل هذا الضجيج



