
بقلم د . هاني المصري
تدخل أزمة سد النهضة مرحلة شديدة الحساسية، مع ارتفاع وتيرة التحذيرات المصرية التي باتت أكثر صراحة ووضوحًا من أي وقت مضى. وبينما تتصاعد الإجراءات الإثيوبية الأحادية في تشغيل السد وملئه دون اتفاق قانوني ملزم، تعلن القاهرة — بشكل غير مباشر ولكن غير قابل للتأويل — أن الوضع يقترب من نقطة اللاعودة، وأن أمن مصر المائي خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف.
وتشير تحليلات دبلوماسية إلى أن مصر باتت تستخدم خطابًا أكثر حزمًا في الآونة الأخيرة، بما يعكس إدراكها أن استمرار الوضع الحالي يهدد حياة أكثر من 100 مليون مواطن يعتمدون بشكل رئيس على مياه النيل. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخارجية المصري السفير بدر عبد العاطي لتشكل منعطفًا جديدًا في لهجة الدولة، حيث أكد بوضوح:
“مصر لن تقبل بأي أذى يمس حقوقها المائية. وقد أوضحنا مرارًا أن استمرار السياسات الأحادية لن يمرّ دون رد يتناسب مع حجم الخطر.”
هذه الكلمات، وفق مراقبين، ليست مجرد تصريح دبلوماسي، بل رسالة مباشرة لإثيوبيا بأن مصر مستعدة لاتخاذ إجراءات حاسمة إذا تطلب الأمر، وأن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة — التي تمنح الدول حق الدفاع الشرعي عن النفس — أصبحت حاضرة في المشهد السياسي المصري.
مادة 51… من خطاب قانوني إلى خيار واقعي
يرى خبراء القانون الدولي أن لجوء مصر للتذكير بالمادة 51 ليس خطابًا إنشائيًا. فالمساس بحصة مصر التاريخية من المياه يعد تهديدًا وجوديًا، خاصة في دولة تعتمد بنسبة تفوق 97% على نهر النيل كمصدر للمياه العذبة.
وتشير مصادر دبلوماسية مطلعة إلى أن القاهرة باتت تتعامل مع الملف باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، وأنه “لا يمكن لأي دولة في العالم أن تقف مكتوفة الأيدي أمام تهديد كهذا”.
مصر: التفاوض أولًا… لكن الردع حاضر
ورغم حدة التصريحات، تؤكد الخارجية المصرية التزامها الكامل بالمسار التفاوضي والحلول السلمية، إلا أن هذا الالتزام لا يعني — بأي حال — القبول بسياسات فرض الأمر الواقع. ويعيد السفير بدر عبد العاطي التأكيد:
“مصر دولة سلام، لكنها لا تتهاون في حقوقها. وعلى كل الأطراف أن تعي أن الصبر المصري ليس بلا حدود.”
وفي ظل التوتر المتصاعد، يتفق الخبراء على أن المرحلة المقبلة ستشهد تحركات مصرية أكثر قوة على المستويين السياسي والدبلوماسي، وربما تتجاوز ذلك إذا استمرت أديس أبابا في تجاهل المخاوف المصرية المشروعة.
و ختاماً يا سادة
إن الرسائل المصرية الأخيرة تحمل معنى واحدًا:
الحقوق المائية لمصر ليست موضع تفاوض إضافي… ولن تُترك للمساومات أو الضغوط.
ومع اقتراب الأزمة من مفترق طرق خطير، يبدو أن مصر تمضي نحو حماية نهرها الخالد بكل الوسائل المشروعة التي يضمنها القانون الدولي.

