الممر مئة وأربعة عشر
بقلم / محمد جابر
لم يكن اختيار كلمات هذا الممر عبثا. حين يصبح عنوان المرحلة في بعض البرامج التي تذاع على القنوات الفضائية وكذلك في عدد من المسلسلات والعديد من الإعلانات فإنه أقرب إلى مشهد عبثي يتصدره حضور نمطي فج مغلف بقالب كلاسيكي.
ويتجلى ذلك في عدد من الأعمال التي راهنت على الإثارة المباشرة حيث يعكس المشهد الثقافي في نظر كثير من المراقبين حالة من اضطراب الذائقة تتسلل إلى المشاهد لتلك الأعمال.
فالفن الذي كان بوتقة لتشكيل الوعي المجتمعي ورافعة للذائقة الجمالية يجد نفسه في مواجهة موجة من الأعمال التي يغلب عليها طابع المحتوى السريع وتبتعد عن جماليات الفكر العربي.
وفي سياق هذا الممر يذهب قطاع من النقاد ومعهم شريحة واسعة من الجمهور إلى أن بعض المسلسلات باتت تلامس مناطق شائكة إذ تتهم بتقديم مشاهد مربكة عند التأمل فيها ولا تراعي من وجهة نظر منتقديها الأعراف الأخلاقية السائدة. ويرى هؤلاء أن بعض المضامين تتجاوز ما تقبله المنظومات القيمية في مجتمعات ذات مرجعيات دينية وثقافية متعددة ومن هنا يصبح السؤال ملحا بأي منظومة قيمية يصاغ هذا المحتوى وإلى أي مرجعية ثقافية ينتمي هؤلاء
غير أن القضية الأعمق في تقدير كثير من المراقبين لا تقف عند حدود برامج المقالب بل تمتد إلى ما يشهده موسم الدراما الرمضانية من تكرار وتراجع ملحوظ في بعض الأعمال سواء على مستوى النص أو البناء الدرامي أو الرسائل المقدمة. فقد أصبحت المنافسة على نسب المشاهدة تدفع بعض المنتجين إلى تكثيف الإثارة وتضخيم الصراعات وتكرار القوالب النمطية على حساب المعالجة الإنسانية العميقة التي عرفت بها الدراما العربية في مراحل ازدهارها.
والمتابع لهذه الأعمال يلحظ في كثير منها إعادة إنتاج لأنماط همجية وصور درامية ذات طابع سرسجي دون أن يعني ذلك غياب الأعمال الجيدة لكنها في رأي نقاد باتت أقل حضور وسط زحام إنتاجي كثيف تحكمه حسابات السوق ونسب المشاهدة وحجم الإعلانات الداعمة. وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام صناع الدراما كيف يمكن استعادة التوازن بين الجاذبية الجماهيرية والمسؤولية الثقافية
وفي المحصلة تبقى السينما بوصفها الفن السابع إطار جمالي راسخ في حين أن سلامة المشهد البصري ككل تظل مرهونة بقدرة الصناعة السينمائية على حماية الذائقة العامة من التآكل واستعادة روح الإبداع التي صنعت مجد الشاشة العربية وفي القلب منها الشاشة المصرية.

