
الغاية من بناء النظرية التربوية
بقلم/ محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما أما بعد أيها الأحبة، إن في القلب شعثا لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الإجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا، فسبحانه من خالق عظيم، جواد كريم، الكرم صفة من صفاته، والجود من أعظم سماته، والعطاء من أجل هباته.
فمن أعظم منه جودا؟ الخلائق له عاصون وهو لهم مراقب، يكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوه، ويتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا، يجود بالفضل على العاصي، ويتفضل على المسيء، من ذا الذي دعاه فلم يستجب له؟ أم من ذا الذي سأله فلم يعطه؟ أم من ذا الذي أناخ ببابه فنحاه؟ فهو ذو الفضل ومنه الفضل، وهو الجواد ومنه الجود، وهو الكريم سبحانه ومنه الكرم، واعلموا أن الغاية من بناء نظرية تربوية على أسس وأصول مثبتة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لتبرز هوية الأمة الإسلامية بالمعنى الحضاري والفكري والثقافي وليس بالمعنى العرقي والعنصري ولتؤكد على الهوية الثقافية للأمة الإسلامية من خلال تأصيل العلوم والمعارف النظرية والتطبيقية، وذلك بإعادة النظر في المفاهيم والنظم والنظريات وتحليل الواقع وفهمه جيدا للوصول إلى إطار معرفية ومبادئ.
أو نظريات صحيحة للتربية، تكون مرجعا لأنشطة العمل التربوي بما يتناسب مع المنهج الرباني، وعللت في تصوريها المقترح لبناء النظرية التربوية من المنظور الإسلامي بأن التربية في الوطن العربي ترددت بين الأصالة والاقتباس، فهي تأخذ القليل من التربية الإسلامية وتأخذ الكثير من أساليب النظريات التربوية الغربية دون أن تعي أنها بذلك تقع في تناقضات جوهر العقيدة الإسلامية ومنهج الإسلام في التربية الإسلامية، فهي التربية في الوطن العربي بذلك لن تستطيع أن تحول طاقات أبناء الأمة إلى قوة بناء وعمارة وعبادة وحضارة والنهضة، إلا إذا ارتسمت خطى منهج التربية الإسلامية والتزمت بنظريتها، ومن عظيم سماحة الإسلام أنه حرّم الاقتصاص من الحامل أو إقامة الحد عليها حتى تضع حملها وترضعه، بل وأمر بالستر ودرء الحدود قدر الإستطاعة.
وإن هذا الدين الإسلامي الحنيف الذي هدانا الله عز وجل إليه، ومن علينا به دين السماحة واليسر، لا عسر فيه ولا تعسير، ولا عنت فيه ولا مشقة وتأملوا نبي الرحمة، وإمام الأمة عليه الصلاه والسلام وهو يبين للأمة يُسر الدين وسماحته، ويبيّن الحال التي ينبغي أن يكون عليها أهل الدين مع الدين، ولما قدم الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم المدينة غرس فيها بذور التسامح بين المسلمين وغيرهم، فأقام معاهدة مع اليهود تنص على السماحة والعفو والتعاون على الخير والمصلحة المشتركة وحافظ الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم على هذا الميثاق، وهو ميثاق التعايش السلمي في المدينة، ولكن اليهود سرعان ما نقضوه، ولقد ربى الإسلام أبناءه على السماحة، وحب الخير للناس جميعا، ونبذ العنف ما بين المسلم والمسلم ومع غير المسلم ممن لا يحملون الضغينة، ويسالمون المسلمين.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم ” اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد والشكر ” فمن طبيعة النفس السمحة أن يكون صاحبها هيّنا ليّنا إذا رأى أذى يلحق أحدا من عباد الله رثى له، وواساه في مصيبته، ودعا الله عز وجل أن يغفر ذنبه، ويكشف كربه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال “إن الدين يسر، ولن يُشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة” رواه البخاري ومسلم، فقد جاءت رسالة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالسماحة والتسامح، والصفح، وحسن التعايش مع كافة الناس بصرف النظر عن معتقداتهم أو ألوانهم أو أعراقهم، إذن التعامل مع الجميع على حد سواء دون أدنى تمييز.

