
بقلم المعالج النفسي/ فاطمة الصغير
نقضي سنواتٍ طويلة نحاول أن نكون كما يُريدنا الآخرون: أبناء بلا اعتراض، وشركاء بلا خلاف، وأصدقاء بلا حدود، وموظفين بلا راحة يعملون في المكان ثم يُكملون عملهم في البيت، كأنهم مدينون دائمًا بالعطاء، حتى حين تُرهقهم الحياة.
نمضي في هذا السباق الصامت بإحساسٍ دائم بالواجب، نخشى أن نخذل من حولنا، فننسى أنفسنا شيئًا فشيئًا.
حتى يأتي يومٌ نصحو فيه متعبين بلا سببٍ واضح، ننظر في المرآة ولا نعرف من نرى. نكتشف أن حياتنا امتلأت بما يُرضي الآخرين لكنها فرغت مما يُرضينا نحن.
رحلة العودة إلى الذات ليست أنانية، بل شفاءٌ من التشتت الذي صنعه إرضاء الجميع.
إسأل نفسك للمرة الأولى: من أنا فعلًا
وما الذي أريده أنا بعيدًا عن الآخرين
في البداية قد تشعر بالذنب؛ لأن من عاش عمره يُرضي الناس، سيشعر أنه يُخطئ حين يبدأ بإرضاء نفسه. لكن مع الوقت ستدرك أن التوازن لا يعني أن تُقصي الآخرين، بل أن تتواجد معهم وأنت لا تغيب عن نفسك.
العودة إلى الذات ليست انسحابًا من الحب أو من المسؤولية، بل هي عودة إلى منبع الصدق في داخلك، كي تمنح الآخرين حبًا ناضجًا لا حبًا مشروطًا بالخوف من رفضهم.
ستتعلم أن تقول “لا” دون شعورٍ بالذنب، أن تختار دون خوفٍ من العتاب، أن تُصغي لصوتك الداخلي الذي طال صمته وسط ضجيج الأصوات من حولك.
حين تعود إلى ذاتك، تعود إليك الحياة أيضًا. تبدأ ترى بوضوح، وتختار بوعي، وتحب بحرية. لأنك أخيرًا أصبحت في مكانك الحقيقي داخلك.
خطوات صغيرة نحو العودة إلى نفسك
وبعد كل هذا التأمل، قد تتساءل كيف أبدأ العودة إلى ذاتي
إليك بعض الخطوات البسيطة
1. اصمت قليلًا كل يوم.
في لحظات الصمت، ستسمع صوتك الداخلي بوضوح بعد أن طمسه ضجيج الحياة.
2. دوّن ما تشعر به بصدق.
الكتابة مرآة صادقة تكشف ما تحاول تجاهله، وتعيدك برفق إلى قلبك الحقيقي.
3. قلّل من محاولات الإرضاء.
ليس كل خلافٍ يستحق تبريرًا، ولا كل انتقادٍ يحتاج ردًّا. أحيانًا، يكفي أن تكون في سلام مع نفسك، حتى لو لم يُرضِ ذلك الجميع.
دومتم بصحة نفسية جيدة، بالعودة إلى ذواتكم، وبداية حياة أكثر صدقًا وسلامًا مع أنفسكم

