العلاقات المصرية – التركية : حين تتقاطع الجغرافيا مع الذاكرة ، ويعيد التاريخ اختراع نفسه
طارق غريب يكتب
ليست العلاقات بين مصر وتركيا مجرد سطور في تقارير دبلوماسية أو بيانات بروتوكولية باردة ، بل هي حكاية طويلة من التداخل والتنافس والتأثير المتبادل ، حكاية تشبه نهرين كبيرين يبدوان متوازيين أحياناً ، ثم يقتربان ، ثم يبتعدان ، لكنهما لا يتوقفان أبداً عن تغيير شكل الأرض من حولهما. فمصر وتركيا ليستا دولتين عاديتين في محيطهما ، كل واحدة منهما مركز ثقل ، وكل واحدة تحمل ذاكرة إمبراطورية قديمة ، وكل واحدة ترى نفسها ، بوعي أو بلا وعي ، وريثة دور أكبر من حدودها السياسية الراهنة.
منذ قرون بعيدة ، حين كانت القاهرة وإسطنبول جزءاً من فضاء سياسي واحد ، تشكل بينهما نوع خاص من العلاقة : علاقة مركزين كبيرين داخل جسد واحد. لم تكن المسألة يوماً خضوعاً بسيطاً أو تبعية ميكانيكية ، بل كانت شداً وجذباً بين عقلين مختلفين لإدارة العالم نفسه. هذا الإرث لم يختف بانتهاء ذلك العصر ، بل تحول إلى طبقة عميقة في الوعي السياسي لكلا البلدين ، طبقة تظهر كلما تغير ميزان القوى في المنطقة أو اهتز النظام الدولي.
في العصر الحديث ، دخلت العلاقات المصرية التركية مرحلة جديدة : مرحلة الدول القومية التي تبحث عن دورها في عالم مضطرب. هنا لم يعد السؤال : من يحكم من؟ بل : من يؤثّدر أكثر؟ ومن يملك سردية أوسع عن المستقبل؟ مصر بثقلها السكاني ، وعمقها العربي ، وموقعها الجغرافي الذي يربط المتوسط بالبحر الأحمر ، وتركيا بجغرافيتها المعلقة بين الشرق والغرب ، وبطموحها الدائم لأن تكون جسراً لا مجرد معبر. كلاهما يرى نفسه لاعباً لا يمكن تجاوزه ، وكلاهما يعرف أن تجاهل الآخر ليس خياراً طويل الأمد.
مرت العلاقة بمراحل هدوء وتعاون ، ثم بمراحل توتر واصطفاف حاد. أحياناً بدا المشهد كأنه صراع على النفوذ في شرق المتوسط ، وأحياناً كأنه اختلاف في قراءة خرائط المنطقة بعد الزلازل السياسية الكبرى التي ضربت العالم العربي. لكن تحت كل ذلك ، كانت هناك حقيقة بسيطة وعنيدة : لا مصر تستطيع أن تتعامل مع محيطها الإقليمي وكأن تركيا غير موجودة ، ولا تركيا تستطيع أن ترسم لنفسها دوراً في الشرق الأوسط متجاوزة القاهرة.
التوترات لم تكن يوماً مجرد خلافات دبلوماسية ، بل كانت انعكاساً لاختلاف أعمق في الرؤية : رؤية لدور الدولة ، ولمعنى الاستقرار ، ولموقع القوة في زمن لم تعد فيه القوة تعني الدبابات وحدها ، بل الاقتصاد ، والطاقة ، وخطوط الملاحة، والقدرة على التأثير في خرائط التحالفات. حين اختلفت الرؤيتان ، بدا المشهد وكأن المنطقة كلها تدخل في حالة استقطاب ، لأن مصر وتركيا ، بحجمهما ي، لا تختلفان وحدهما: معهما تختلف دوائر كاملة من الدول والمصالح.
شرق المتوسط مثال واضح على ذلك. هناك ، حيث تختلط السياسة بالطاقة ، والاقتصاد بالجغرافيا ، تحول البحر إلى ساحة اختبار للإرادات. كل خطوة مصرية ، وكل خطوة تركية، كانت تُقرأ في عواصم أخرى باعتبارها مؤشراً على اتجاه الرياح. وحين تتصادم الحسابات ، لا يبقى التصادم محصوراً بين دولتين ، بل يمتد أثره إلى اليونان وقبرص وليبيا وبلاد الشام ، بل إلى أوروبا نفسها التي ترى في استقرار تلك المنطقة جزءاً من أمنها الاستراتيجي.
أما في العالم العربي ، فالعلاقة المصرية التركية كانت دائماً عامل توازن أو اختلال توازن. حين تقترب القاهرة وأنقرة ، يهدأ الكثير من الضجيج ، وتُفتح مساحات للحلول الوسط. وحين تبتعدان ، تمتلئ الفراغات بقوى أخرى ، وتصبح الساحات أكثر قابلية للاشتعال. الأمر لا يتعلق بنوايا حسنة أو سيئة بقدر ما يتعلق بطبيعة الفراغ السياسي : الفراغ لا يبقى فراغاً ، بل يتحول سريعاً إلى مسرح صراع.
الدول المحيطة تشعر بذلك بوضوح. ليبيا مثلاً ليست مجرد ملف خارجي ، بل مرآة لطبيعة العلاقة بين القوتين. شرق المتوسط ليس مجرد مياه ، بل خريطة مصالح متشابكة. حتى القرن الإفريقي والبحر الأحمر لا يمكن فصلهما عن هذه المعادلة ، لأن مصر وتركيا ، كل بطريقته ، تنظران إلى تلك المناطق باعتبارها امتداداً لأمنهما القومي لا مجرد ساحات بعيدة.
وعلى المستوى العالمي ، لا يمكن فصل العلاقات المصرية التركية عن التحولات الكبرى في النظام الدولي. العالم لم يعد يُدار من مركز واحد ، بل من شبكة مراكز. في هذا العالم ، تصبح الدول المتوسطة والكبيرة ذات المواقع الاستراتيجية لاعبين أساسيين في إعادة تشكيل التوازنات. مصر وتركيا هنا ليستا تابعين ، بل جزء من لعبة أكبر ، وكل تقارب أو تباعد بينهما يُقرأ في واشنطن وموسكو وبروكسل وبكين باعتباره إشارة إلى اتجاهات أعمق من مجرد خلاف ثنائي.
لكن ما يلفت النظر حقاً هو أن العلاقة ، مهما توترت ، لا تصل إلى نقطة اللاعودة. كأن هناك وعياً صامتاّ بأن الصدام الكامل ليس خياراً عقلانياً ، وأن الجغرافيا والتاريخ يفرضان نوعاً من العودة الدائمة إلى طاولة الحسابات الباردة. المصالح في النهاية أكثر عناداً من الشعارات ، والواقع أثقل من الرغبات اللحظية.
التقارب الذي يلوح من وقت لآخر ليس إذابة للخلافات ، بل إعادة ترتيب لها داخل إطار أوسع من البراغماتية. هو اعتراف غير معلن بأن المنطقة لا تحتمل صراعات مفتوحة بين ثقلين كبيرين في وقت واحد ، وأن العالم المتغير يفرض على الجميع أن يفكر بمنطق إدارة التناقض لا بمنطق كسره بالكامل.
في العمق ، العلاقة بين مصر وتركيا تشبه علاقة عقلين كبيرين يختلفان على الطريق لكنهما يعرفان أنهما يسيران في الجغرافيا نفسها. قد يتسابقان ، قد يتصادمان في المنعطفات ، لكنهما لا يستطيعان مغادرة الخريطة. وهذا ما يجعل تأثير هذه العلاقة يتجاوز حدودهما بكثير : لأن استقرارها النسبي ينعكس استقراراً نسبياً في الإقليم ، واضطرابها يفتح أبواباً لرياح لا يمكن التنبؤ بمداها.
ربما لا تكون المشكلة الحقيقية في أن تختلف الدول ، بل في أن تنسى أن اختلافها جزء من نظام أكبر يحتاج إلى حد أدنى من التوازن كي لا ينهار. من هذه الزاوية ، يمكن فهم العلاقات المصرية التركية لا كقصة خصومة أو صداقة ، بل كقصة شد تاريخي طويل بين دورين كبيرين في منطقة لا تعرف السكون. قصة لم تنته بعد ، وربما لن تنتهي ، لأنها ببساطة جزء من حركة التاريخ نفسه وهو يعيد رسم خرائط النفوذ والمعنى والضرورة.
طارق غريب – مصر


