
بقلم/ اشرف البحيري
يُعدّ العطاء الذاتي من أسمى القيم الإنسانية التي دعا إليها الإسلام، حيث يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإخلاص وصفاء النية، ويُسهم في بناء مجتمع متماسك تسوده المحبة والتعاون. وقد تناول القرآن الكريم هذا المفهوم بأسلوب عميق، يربط بين العطاء الصادق ووضوح الرؤية لدى الإنسان، سواء في تعامله مع نفسه أو مع الآخرين.
فالعطاء في القرآن لا يقتصر على المال فقط، بل يشمل كل ما يقدّمه الإنسان من جهد، وعلم، ووقت، ومشاعر صادقة. يقول الله تعالى: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون”، وفي هذه الآية إشارة واضحة إلى أن العطاء الحقيقي هو الذي يصدر من القلب، ويكون فيه نوع من التضحية، مما يعكس صدق الإيمان وسمو الأخلاق.
وعندما يعتاد الإنسان على العطاء الذاتي، فإنه يكتسب وضوحًا في الرؤية، لأنه يتحرر من الأنانية وحب الذات المفرط. هذا التحرر يجعله أكثر قدرة على فهم الآخرين، وتقدير احتياجاتهم، والنظر إلى الأمور بمنظور أوسع وأكثر توازنًا. كما أن العطاء يُنمي في النفس صفات الرحمة والتواضع، مما يساعد على بناء علاقات إنسانية قائمة على الثقة والاحترام.
وقد أشار القرآن الكريم إلى أثر العطاء في تزكية النفس، فقال تعالى: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها”، فالعطاء هنا وسيلة للتطهير الداخلي، الذي يؤدي بدوره إلى صفاء البصيرة. ومع صفاء البصيرة، تصبح رؤية الإنسان للأمور أكثر وضوحًا، فيميز بين الخير والشر، ويُحسن اتخاذ القرارات.
ومن جهة أخرى، فإن العطاء الصادق يكون له أثر واضح في الآخرين، حيث يُلهمهم ويُحفزهم على الاقتداء، مما يخلق بيئة إيجابية تنتشر فيها القيم النبيلة. فالإنسان المعطاء يصبح قدوة، ورسالته تصل إلى الآخرين دون كلام، لأن أفعاله تعكس مبادئه.
وفي الختام، فإن العطاء الذاتي كما صوّره القرآن الكريم ليس مجرد سلوك عابر، بل هو أسلوب حياة يُسهم في بناء شخصية متزنة، واضحة الرؤية، قادرة على التأثير الإيجابي في المجتمع. فكلما ازداد الإنسان عطاءً، ازداد وعيه، واتسعت رؤيته، واقترب أكثر من تحقيق المعنى الحقيقي للإنسانية.