(الطلاق) قرار أخلاقي لا انتقامي
عادل محمود
درستُ (الطلاق) من خلال الفلسفة، لا من خلال الدين ولا من خلال القانون. لأن الدين يقدّس الرباط، والقانون ينظّم الانفصال، لكن الفلسفة وحدها تطرح السؤال الجذري: لماذا يتحوّل الحب إلى حرب؟ ولماذا يدفع الأطفال ثمنًا لصراعٍ لم يختاروه؟
لم أبحث عن حكم شرعي، ولا عن بند قانوني، بل عن الأسباب التقريبية الجديرة التي تحوّل عائلة يغمرها الدفء والسكينة إلى بركان، يحرق الأطفال، ويحوّلهم إلى:
كائنات مشروخة الهوية
ضحايا صراعٍ لا يُفهم
ممثلين في مسرحية الكبار، بلا نص ولا دور
أجسادٍ تنمو، لكن أرواحها تبقى معلّقة بين أبوين يتبادلان اللوم
- لماذا يحدث الطلاق؟
الطلاق لا يحدث لأن الحب انتهى فقط، بل لأن الفهم لم يبدأ.
لا يحدث لأن أحد الطرفين تغيّر، بل لأن الآخر لم يكن مستعدًا للتعامل مع التغيّر.
الطلاق هو لحظة انهيار في البنية الفكرية للعلاقة، حين تتحوّل الشراكة إلى منافسة، والتفاهم إلى صمت، والاحتواء إلى محاكمة.
من منظور فلسفي، الطلاق هو نتيجة: فشل في إدراك الآخر ككائن مستقل، لا امتداد للذات
انهيار في الحوار الداخلي قبل الخارجي
تراكم للخذلان غير المُعبّر عنه، حتى يصبح الانفجار هو اللغة الوحيدة المتبقية
حين ينفصل الزوجان، لا ينفصلان وحدهما. ينفصل العالم في عيون أطفالهم.
الطفل لا يفهم لماذا اختفى أحد الوالدين من البيت، لكنه يشعر بأن شيئًا ما اختفى من داخله أيضًا.
الطفل لا يملك أدوات التحليل، لكنه يملك قلبًا هشًا يتشظّى كلما سمع صراخًا، أو رأى دمعةً، أو شعر بأنه عبء.
الفلسفة هنا لا تسأل فقط: هل الطلاق ضروري؟
بل تسأل: هل الأطفال مستعدون لتحمّل نتائجه؟ وهل نحن مستعدون لحمايتهم من تبعاته؟
الفلسفة لا تُقدّم وصفة جاهزة، لكنها تُقدّم أدوات تفكير.
وهنا، الحل لا يبدأ من المحكمة، بل من العقل والضمير.
1- إعادة تعريف الزواج قبل الطلاق
الزواج ليس اندماجًا، بل تفاعل بين فردين مستقلين.
الحب لا يكفي، بل يجب أن يرافقه فهم، ومرونة، ونضج.
2- الطلاق كقرار أخلاقي لا انتقامي
لا يجب أن يكون الطلاق إعلان حرب، بل إعلان نهاية بشرف.
يجب أن يُبنى على احترام الآخر، لا على تشويهه.
3- الأطفال ليسوا أدوات ضغط
لا يُستخدم الطفل كوسيلة للانتقام أو كرمز للانتصار.
يجب أن يُحمى من الصراع، لا أن يُزج فيه.
4- التواصل بعد الطلاق ضرورة وجودية
يجب أن يستمر الحوار بين الوالدين حول الطفل، حتى لو انقطع بينهما شخصيًا.
الطفل يحتاج إلى صورة متماسكة عن والديه، لا إلى روايتين متناقضتين.
لأن الطفل ليس مجرد ضحية، بل هو الشاهد الصامت على انهيار المعنى.
لأن الطفل لا ينسى، بل يخزّن كل صرخة، كل نظرة، كل ليلة نام فيها وهو يتساءل: هل أنا السبب؟
لأن الطفل لا يشفى بالوقت، بل يعيد إنتاج الألم في علاقاته، في اختياراته، في نظرته لنفسه والعالم.
لأن الطفل لا يحتاج إلى أبوين مثاليين، بل إلى أبوين لا يستخدمونه كدرع أو سيف.
لأن الطفل حين يُحرق بنار الطلاق، لا يصرخ، بل يصمت، ويكبر، ويعيد إشعال النار في نفسه أو في من حوله.
الطفل ليس هامشًا في قصة الطلاق، بل هو النص الكامل الذي يُكتب بالدم، لا بالحبر.
لهذا، لا يحق لأحد أن يختار الانفصال قبل أن يفهم تمامًا ما الذي سينفصل داخل الطفل.
ولا يحق لأحد أن يصرخ باسم الحب، ثم ينسى أنَّ الحب الحقيقي لا يترك خلفه رمادًا بشريًا.

