الطرق التي نغادرها دون أن نعود

بقلم/نشأت البسيوني
في حياة كل إنسان طرق كثيرة يسير فيها بعضها يقوده إلى أماكن جديدة وبعضها ينتهي فجأة دون أن يعرف كيف وصل إلى نهايته وبين هذه الطرق تبقى هناك مسارات غادرناها بصمت ولم نعد إليها مرة أخرى في البداية يظن الإنسان أن كل طريق يسلكه سيبقى مفتوحا أمامه دائما وأن الأبواب التي يعرفها لن تغلق وأن الوجوه التي اعتاد رؤيتها ستظل في أماكنها كما هي لكن الأيام تعلمه شيئا
مختلفا تماما فالطرق في الحياة ليست ثابتة كما نظن بعضها يتغير مع الوقت وبعضها يختفي دون أن نشعر وبعضها نتركه نحن بإرادتنا لأننا اكتشفنا أنه لم يعد يشبهنا كما كان من قب قد يغادر الإنسان مكانا عاش فيه سنوات طويلة ويظن أنه سيعود إليه يوما لكنه مع مرور الوقت يدرك أن العودة لم تعد ممكنة ليس لأن المكان تغير فقط بل لأن الإنسان نفسه لم يعد كما كان فالسنوات لا تمر حولنا
فقط بل تمر داخلنا أيضا تغير أفكارنا وتبدل مشاعرنا وتجعلنا نرى الأشياء بطريقة مختلفة تماما هناك طرق تركناها لأننا تعبنا من السير فيها وطرق أخرى غادرناها لأننا اكتشفنا أن نهايتها ليست كما كنا نتخيل وربما كانت هناك طرق جميلة لكن الظروف جعلتنا نبتعد عنها دون أن نملك اختيارا وفي كل مرة نغادر فيها طريقا نظن أننا سننساه بسهولة لكن الحقيقة أن بعض الطرق تبقى في الذاكرة مهما
ابتعدنا عنها تبقى تفاصيلها الصغيرة في القلب كأنها جزء من قصة طويلة لا يمكن حذفها فقد يتذكر الإنسان يوما طريقا كان يسير فيه كل صباح أو مكانا كان يلتقي فيه بأصدقاء أصبحوا اليوم مجرد ذكريات وقد تعود إلى ذهنه كلمات قيلت في لحظة عابرة لكنها تركت أثرا لا يمحى هذه الطرق التي غادرناها لا تعود كما كانت حتى لو عدنا إليها مرة أخرى لأن الزمن لا يعيد اللحظات نفسها مرتين
فالمكان قد يبقى كما هو لكن الأشخاص يتغيرون والوجوه التي كانت تملأه قد تختفي والأصوات التي كانت تمنحه الحياة قد تتحول إلى صمت طويل ومع ذلك فإن لهذه الطرق قيمة خاصة في حياة الإنسان لأنها كانت جزءا من رحلته وجزءا من التجارب التي شكلت شخصيته مع مرور الوقت فالإنسان لا يتكون فقط من الطرق التي يسير فيها الآن بل أيضا من الطرق التي تركها خلفه
ومن اللحظات التي عاشها ثم أصبحت ذكرى بعيدة وهكذا تستمر الحياة نغادر طرقا ونبدأ أخرى نودع أماكن ونكتشف أماكن جديدة نترك خلفنا فصولا كاملة من الحكاية ونمضي نحو صفحات لم نكتبها بعد يدرك الإنسان أن بعض الطرق لم تكن مجرد مسارات عبرناها بل كانت مراحل كاملة من حياتنا تعلمنا فيها الكثير حتى وإن انتهت دون أن نعود إليها مرة اخرى



