
الذين كبروا من الداخل قبل ان يلاحظهم احد
بقلم/نشأت البسيوني
هناك اناس لا يسمع العالم صوتهم لكنهم يسمعون كل شيء لا يتصدرون المشهد لكنهم يحملون داخله ثقلا هائلا من الفهم والتجربة هؤلاء لا يظهرون في اللحظات الصاخبة ولا يجيدون التباهي بما مروا به لكنهم حين يتكلمون يهدأ كل شيء حولهم لان كلماتهم خرجت من عمق حقيقي الانسان لا يكبر بالعمر وحده بل يكبر بما يتحمله بصمت وبما يفهمه دون شرح وبما يتجاوزه دون
ضجيج هناك من عاش سنوات قليلة لكنه عبر فيها ما لم يعبره غيره في عمر كامل وهناك من طال عمره وبقي واقفا عند اول خوف لم يواجهه الحياة لا توزع دروسها بعدل ظاهري لكنها توزعها بصدق قاس فكل انسان ينال ما يحتاجه لا ما يتمناه وما يحتاجه غالبا لا يبدو جميلا في لحظة وصوله البشر يتألمون ليس لانهم ضعفاء بل لانهم واعون لانهم يشعرون بعمق لانهم لا يمرون مرور الكرام على
الاشياء الوجع ليس علامة فشل بل علامة حياة والعتمة ليست نهاية بل مرحلة تتعلم فيها العين كيف ترى من غير ضوء الانسان يتغير حين يفهم ان الخسارة لا تعني دائما الهزيمة وان الرحيل قد يكون نجاة وان الصمت احيانا اصدق من الف كلمة وان التراجع ليس جبنا بل حكمة متأخرة في هذا العالم السريع يظن الناس ان القوة في الاندفاع بينما القوة الحقيقية في التماسك في التريث في
القدرة على الوقوف دون تصفيق وعلى الاستمرار دون ضمانات هناك اناس يحملون في قلوبهم فوضى كاملة لكنهم يختارون الطمأنينة لانهم تعبوا من الشرح ومن الدفاع عن اختياراتهم ومن اثبات انهم يستحقون ما يشعرون به هؤلاء تعلموا ان الحياة لا تطلب تبريرا وان الصدق مع النفس اهم من رضا الجميع الانسان لا يولد عارفا لكنه يولد قادرا على التعلم وكل سقطة هي لغة وكل
خيبة رسالة وكل نهاية باب لنسخة جديدة اكثر وعيا اقل اندفاعا اكثر رحمة بنفسها الحياة لا تطلب منا ان نكون مثاليين بل ان نكون حقيقيين ان نعترف بتعبنا دون خجل ان نغير اتجاهنا دون اعتذار ان نغادر ما يؤذينا دون شعور بالذنب الانسان الذي نجا ليس الاقوى ولا الاذكى بل الاكثر صدقا مع نفسه الاكثر قدرة على الاعتراف حين يحتاج الى التوقف حين يفهم ان النجاة ليست دائما في
الاستمرار بل احيانا في الانسحاب الهادئ ومع مرور الوقت يكتشف الانسان ان السلام الداخلي لا يأتي من انتصار صاخب بل من تصالح صامت مع الذات من قبول النسخ القديمة دون كراهية ومن شكرها لانها اوصلتنا الى هنا ومن السماح للنفس بان تبدأ من جديد دون خوف من التكرار ولا ندم على التأخير وفي النهاية لا يعرف قيمة الرحلة الا من مشاها بقدميه ولا يفهم ثقل الايام الا من حملها وحده
ولا يدرك معنى السلام الا من خرج من حرب طويلة مع ذاته لذلك فان الذين كبروا من الداخل قبل ان يلاحظهم احد لا ينتظرون اعترافا ولا يبحثون عن شهود يكفيهم انهم صاروا اقرب الى انفسهم اكثر مما كانوا وانهم لم يعودوا يخافون ان يكونوا كما هم لان اعظم انتصار في هذه الحياة ان تصل الى نفسك دون ان تفقد انسانيتك

