مقال

الذكاء العاطفي المزيف: حين يتحول الوعي إلى أداة للتلاعب


د.سوهير الطويل
استشاري نفسي واسري وتربوي

لم يعد مصطلح “الذكاء العاطفي” مجرد مفهوم نفسي يُدرّس في الكتب أو يُمارس في جلسات العلاج، بل أصبح شعارًا يُرفع في العلاقات الإنسانية، ووسامًا يتزين به البعض ليُثبتوا رُقيهم وقدرتهم على الفهم والتواصل. لكن في ظل هذا الانتشار، ظهرت ظاهرة أخطر: “الذكاء العاطفي المزيف”، حيث لا يُستخدم الوعي لفهم الآخر، بل للسيطرة عليه.

فالذكاء العاطفي الحقيقي يعني أن تدرك مشاعرك وتُحسن إدارتها، وأن تفهم مشاعر الآخرين دون أن تنتهكها، أن تحتوي دون أن تُقيد، وأن تُساند دون أن تُهيمن. أما في صورته المزيفة، فيتحول إلى مهارة ناعمة للتلاعب، تُمارس بهدوء وذكاء، لكنها تترك أثرًا نفسيًا عميقًا.

قد يخاطبك أحدهم بلغة هادئة، محسوبة الكلمات، فيُشعرك أنه الأكثر وعيًا واتزانًا، لكنه في الحقيقة يُعيد صياغة مشاعرك بما يخدمه. يُقنعك أنك تبالغ، وأن ردود أفعالك غير مبررة، وأنك بحاجة إلى “الهدوء” و”التفهم”، بينما هو يتجاوز حدودك دون أدنى مساءلة. هنا لا يكون الوعي وسيلة للنضج، بل قناعًا لإلغاء الآخر.

وفي أحيان أخرى، يُمارس هذا النوع من الأشخاص نوعًا من “التعاطف الانتقائي”، فيُظهر تفهمًا شديدًا حين يكون ذلك في صالحه، ويتحول إلى برود أو لوم خفي عندما تحتاج أنت للاحتواء. وكأن مشاعرك تُقاس بمدى توافقها مع راحته، لا بصدقها أو مشروعيتها.

الأخطر من ذلك، أن الذكاء العاطفي المزيف يُربك الضحية نفسيًا؛ فهو لا يأتي في صورة عنف صريح يمكن رفضه بسهولة، بل في هيئة “نُصح”، و”توجيه”، و”رغبة في الإصلاح”. فتبدأ بالتشكيك في نفسك، وتُعيد تقييم ردود أفعالك، وربما تعتذر عن مشاعر كان من حقك التعبير عنها.

إنه شكل راقٍ من أشكال التلاعب النفسي، يُشبه ما يُعرف بـ”الإضاءة الغازية”، حيث يتم تحريف الواقع بهدوء حتى تفقد ثقتك بإدراكك. وهنا تكمن الخطورة: حين يُقنعك أحدهم أن المشكلة فيك، بينما هو يُدير المشهد من خلف ستار الوعي.

الوعي الحقيقي لا يُقصي، لا يُخضع، ولا يُربك. الوعي الحقيقي يُطمئنك، يجعلك أكثر وضوحًا مع نفسك، لا أكثر ارتباكًا. يجعلك أقرب إلى ذاتك، لا أبعد عنها.

لذلك، ليس كل من تحدث بلغة النفس كان واعيًا، وليس كل من بدا هادئًا كان ناضجًا. أحيانًا، يكون الهدوء مجرد استراتيجية، واللغة الراقية مجرد أداة، والوعي مجرد ستار يخفي وراءه رغبة في السيطرة.

فاحذر أن تنخدع بالشكل، واصغِ جيدًا لما تشعر به، فمشاعرك لا تكذب… حتى وإن حاول البعض إقناعك بذلك.

في العلاقات الصحية، لا تحتاج لأن تُدافع عن مشاعرك، ولا أن تُبرر ألمك، ولا أن تُقنع الآخر بحقك في أن تشعر. من يفهمك حقًا، لن يُربكك… بل سيُشعرك أنك آمن.

وهنا فقط، يبدأ الوعي الحقيقي.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *