
كتبت /منى منصور السيد
لماذا يرى الكثيرون أن ماضيهم يسيطر على حاضرهم، لكنهم يجدون صعوبة بالغة في مواجهته؟ لماذا يخاف الناس من الماضي، حتى وإن كانوا يدركون أنه لا يزال يؤذيهم
د. رشا عناني: هذا سؤال في غاية الأهمية. الخوف من الماضي هو آلية دفاع نفسية معقدة. العقل البشري مُبرمج على تجنب الألم، والتجارب المؤلمة تُخزن في ذاكرة الجسم والعقل. عندما نحاول استرجاع هذه الذكريات، ينشط الجهاز العصبي وكأننا نعيش التجربة من جديد، مما يسبب قلقًا وتوترًا شديدين. لهذا، يختار الكثيرون التجنب كطريقة لتفادي هذه الاستجابة الجسدية والنفسية المؤلمة.
إذن، هو ليس مجرد خوف عاطفي، بل هو رد فعل جسدي أيضًا
د. رشا عناني: بالضبط. الأمر يتجاوز المشاعر. قد يؤدي مجرد التفكير في حدث مؤلم إلى تسارع ضربات القلب، وضيق في التنفس، أو شعور بالتوتر. الجسم يتفاعل مع الذكرى كما لو أنها خطر حقيقي يهدد وجوده في الوقت الحالي.
في مقالك، أشرتِ إلى أن بعض العوامل النفسية مثل الشعور بالذنب أو العار تلعب دوراً. ما مدى تأثير هذه المشاعر؟
د. رشا عناني: هذه المشاعر من أقوى المحركات وراء التجنب. الشعور بالذنب تجاه ما ارتكبناه أو العار بسبب ما تعرضنا له هو حمل عاطفي ثقيل للغاية. العقل غالبًا ما يجد صعوبة في معالجة هذه المشاعر، ولذلك يلجأ إلى كبتها أو إخفائها في اللاوعي. المشكلة أن هذه المشاعر لا تختفي؛ بل تظل نشطة وتؤثر على سلوكياتنا وعلاقاتنا وثقتنا بأنفسنا دون أن ندرك ذلك بشكل مباشر.
وماذا عن فكرة أن الهروب من الماضي يوفر “منطقة أمان” مؤقتة؟ هل هذه الراحة وهمية
د. رشا عناني: هي راحة مؤقتة جدًا، ونعم، هي وهمية. الهروب من الماضي يشبه وضع ضمادة على جرح عميق دون تطهيره. قد يبدو الجرح غير موجود على السطح، لكن العدوى تتفاقم في الداخل. على المدى الطويل، يؤدي هذا التجنب إلى تدهور الصحة النفسية. يظهر في صورة قلق مزمن، أو صعوبة في بناء علاقات صحية، أو حتى ضعف عام في الثقة بالنفس. الماضي الذي لم يُعالج يظل يحدد حاضرنا ومستقبلنا.
تحدثتِ أيضًا عن دور غياب الأدوات والدعم. هل هذا يعني أن مواجهة الماضي ليست مجرد قرار شجاع يتخذه الشخص بمفرده
د. رشا عناني: بالتأكيد. المواجهة ليست سهلة أبدًا. هي عملية تتطلب أدوات ومهارات نفسية. يحتاج الشخص إلى تعلم كيفية التعبير عن مشاعره بطريقة صحية، وفهم الأحداث التي مر بها من منظور جديد، وأحيانًا، الاستعانة بمختص. العلاج النفسي يوفر بيئة آمنة للقيام بذلك. المختص يساعد الفرد على تفكيك الذكريات المؤلمة وإعادة فهمها، مما يخفف من شدتها العاطفية. غياب هذا الدعم يجعل المواجهة تبدو مهمة مستحيلة أو شاقة للغاية.
هناك جانب اجتماعي أيضًا. هل تلعب الثقافة أو البيئة المحيطة دورًا في دفع الناس لقمع تجاربهم
د. رشا عناني: نعم، بشكل كبير. في بعض الثقافات، قد يُنظر إلى الحديث عن المشاعر أو التجارب المؤلمة على أنه علامة ضعف. يُشجع الأفراد على “التخطي” أو “نسيان” ما حدث دون معالجته. هذا النوع من الضغط الاجتماعي يدفع الأفراد إلى قمع مشاعرهم وتجاربهم، مما يجعل الشفاء الحقيقي شبه مستحيل.
إذن، ما هي الرسالة النهائية التي توجهينها لأولئك الذين يشعرون أنهم محاصرون في دائرة ماضيهم
د. رشا عناني: رسالتي هي أن الشفاء ممكن. الشجاعة الحقيقية ليست في النسيان، بل في المواجهة الواعية والهادئة لما حدث. مواجهة الماضي بوعي ليس هدفها إعادة فتح الجروح، بل تطهيرها وإغلاقها نهائيًا. عندما نواجه ماضينا، نتحرر من قيوده ونستطيع أن نبني حاضرًا أكثر اتزانًا ومستقبلًا أكثر إشراقًا. هي الخطوة الأولى نحو التحرر النفسي والنمو.