بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن الإمام أبي حنيفة النعمان، وقيل عن مدرسة الإمام أبي حنيفه أنه كان يحكم بالقاعدة العامة التي لا شُبهة فيها، والشاهد أن الأصل عن أبي حنيفة تقديم خبر الآحاد على القياس كما يقول أبو زيد الدبوسي “الأصل عند علمائنا الثلاثة يعني أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وأن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الآحاد مقدم على القياس الصحيح” لكنه قد يخرج عن هذا الأصل لتأويل محتمل عنده كما يقول ابن عبد البر “وكان رده لما رد من أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي، وجُل ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعا لأهل بلده، كإبراهيم النخعي.
وأصحاب ابن مسعود، وغيرهم، إلى أن قال “ليس لأحد من علماء الأمة يُثبت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، لو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلا عن أن يُتخذ إماما، ولزمه إثم الفسق” وأما عن الإجماع، وكان ذلك إذا لم يجد في المسألة نصا من القرآن، ولا من السنة، ووجد إجماعا فإنه يأخذ به ويقدمه، ويشير إلى ذلك قوله في معرض حديثه عن القياس “وهذا القياس الذي نحن فيه، ويكون العمل على الكتاب والسنة والإجماع” وأما عن أقوال الصحابة، وذلك إذا اختلفوا وتعددت أقوالهم، فإنه يتخيّر منها ما يراه أقرب إلى روح الشريعة، ولا يخرج عن أقوالهم.
وأما عن القياس، وكان ذلك إذا لم يجد شيئا مما سبق، فحينئذ يجتهد فيقيس إذا ما وجد القياس سائغا، ولا يقدم القياس على شيء مما سبق، حتى إنه في بعض المسائل كان يرى القول بالقياس فيها ظاهرا، لكنه يترك ذلك لأجل النص، كما في خبر أبي هريرة رضى الله عنه في الذي يأكل أو يشرب ناسيا فإنه أعمله وقال به رغم مخالفته للقياس عنده، وقال “لولا الرواية لقلتُ بالقياس” وأما عن الاستحسان، وكان ذلك إذا قبح القياس ولم يستقم، فحينئذ يستحسن، والاستحسان عنده ليس قولا بالتشهي، ولا عملا بما يستحسنه من غير دليل قام عليه شرعا، فهو أجل قدرا، وأشد ورعا من أن يفعل ذلك، وإنما الاستحسان عنده، كما قال أبو الحسن الكرخي.
“أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول” وهو أحسن ما قيل في تعريف الاستحسان كما قال الشيخ محمد أبو زهرة، وأما عن العُرف، وكان ذلك إذا لم يكن نص، ولا إجماع، ولا حمل على النصوص بطريق القياس أو الاستحسان، فإنه ينظر في معاملات الناس، ويبني الحكم على ما تعارفوا عليه.
