التوسعة الرابعة للمسجد الحرام

بقلم / محمـــد الدكـــروري
في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك كانت عمارة التوسعة الرابعة للمسجد الحرام، وذلك في سنة واحد وتسعين هجرية، وذلك بعد سيل جارف أصابها، وقد زاد من مساحة المسجد، وأجمع الكثير من المؤرخين على أن الوليد بن عبد الملك كان أول من استعمل الأعمدة التي جلبت من مصر والشام في بناء المسجد الحرام، وكان عمل الوليد عملا محكما بأساطين الرخام، وقد سقفه بالساج، وجعل على رؤوس الأساطين الذهب وأزّر المسجد من داخله بالرخام، وجعل على وجوه الطيقان الفسيفساء، وشيد الشرفات ليستظل بها المصلون من حرارة الشمس، وقدرت زيادته بأكثر من ألفين وثمانى مائة مترا، وفي عهد السلطان أحمد الأول، حدث تصدع في جدران الكعبة، وكذلك في جدار الحجر، وكان من رأي السلطان أحمد هدم بناء الكعبة وإعادة بنائها من جديد لكن علماء العثمانيين منعوه من ذلك.
أما المهندسين فأشاروا عليه بدلا من ذلك بعمل نطاقين من النحاس الأصفر المطلي بالذهب واحد علوي وآخر سفلي، ورغم ذلك لم تصمد الكعبة طويلا وتهدمت جدرانها عقب أمطار غزيرة التي شهدتها مكة المكرمة يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر شعبان عام الف وتسعة وثلاثين من الهجرة، وتحول هذا المطر إلى سيل عظيم، داخل المسجد الحرام والكعبة، وبلغ منتصفها من الداخل وحمل جميع ما في المسجد من خزائن الكتب والقناديل والبسط وغيرها، وخرب الدور واستخرج الأثاث منها، ومات بسببه خلق كثير، وسقط جدارها الشامي وجزء من الجدارين الشرقي والغربي وسقطت درجة السطح، لذلك أمر السلطان مراد الرابع بسرعة عمارتها، فأمر السلطان العثماني مراد الرابع بتجديدها على أيدي مهندسين مصريين في سنة ألف وأربعين من الهجرة، وهو البناء الأخير والحالي للكعبة، حيث تم إصلاح وترميم المسجد بأكمله وفرشت أرضه بالحصى.
وبدأ العمل في عمارتها، يوم الأحد الموافق الثالث والعشرون من شهر جمادى الآخرة لسنة ألف وأربعين من الهجرة، وتم الانتهاء من البناء في غرة شهر رمضان من السنة نفسها وهو البناء الحالي الماثل أمامنا وكل ما حدث بعد ذلك كان عبارة عن ترميمات وإصلاح فقط، وفي عهد الملك خالد بن عبد العزيز، تمت صناعة باب جديد للكعبة المشرفة، صممه المهندس السوري منير الجندي، وصُنع الباب من الذهب الخالص، بوزن إجمالي بلغ مائتى وثمانون كيلو جرام تقريبا عيار تسعة وتسعين وفي عهد الملك فهد بن عبد العزيز، تم استبدال أعمدة الكعبة الخشبية التي يعود تاريخها لأكثر من ألف ومائتى عام بأخرى جديدة من خشب “التيك” الصلب جلبت من بورما ميانمار، ويتميز هذا النوع من الأخشاب بثبات شكله بعد الإستخدام ومقاومته الشديدة للعوامل الجوية مثل الحرارة والرطوبة والماء، وذلك ضمن عملية ترميم شاملة أزيل خلالها سقف الكعبة.
وأعيد بناؤه ورممت الأحجار المتآكلة ودعمت الأرضية بالرخام، وإنه لم يحج الرسول صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة، بل اعتمر ورجع إلى المدينة، ولقد حج المشركون والمسلمون معا في العام الثامن من الهجرة، فلما كان العام التاسع، أمر أبا بكر الصديق رضى الله عنه علي الحج، فخرج في ذي الحجة إلى مكة، وقد انفرد الواقدي بذكر عدد من حج معه فقال إنهم ثلثمائة من الصحابة ومعهم عشرون بدنة، ولما خرج أبو بكر الصديق رضى الله عنه بالناس من المدينة نزلت سورة براءة، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم الإمام علي بن أبي طالب بصدر سور براءة ليعلنها على الناس في موسم الحج يوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة وقال النبي صلى الله عليه وسلم “لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي” ولما رأى أبو بكر الصديق رضى الله عنه الإمام علي، سأله أأمير أم مأمور؟ قال بل مأمور، فمضيا، أبو بكر الصديق أمير على الحج.
وعلي يبلغ صدر سورة براءة، ويساعده عدد من الصحابة في النداء بها منهم أبو هريرة، والطفيل بن عمرو الدوسي، وقد ذكر الإمام علي بن أبي طالب أنه بعث بأربع فقال صلى الله عليه وسلم “لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته” وقد تضمن صدر سورة براءة مفاصلة مع الوثنية وأتباعها حيث منعت حج المشركين بعد التاسع وأعلنت الحرب عليهم، لكنها أمهلت المعاهدين منهم إلى إنتهاء مدتهم، وأمهلت من له عهد إلى أجل غير محدود أو إلى أجل محدود قد نقضه أربعة أشهر متتابعة تبتدئ في العاشر من ذي الحجة وتنتهي في نهاية العاشر من ربيع الآخر وأمهل من لا عهد له من المشركين إلى انسلاخ الأشهر الحرم أي خمسين يوما تنتهي بنهاية المحرم، فإذا إنتهت مددهم صاروا في حالة حرب مع المسلمين.



