د.سوهير الطويل
استشاري نفسي واسري وتربوي
لم تعد الجرائم في عصرنا الحديث تعتمد دائمًا على السلاح أو العنف المباشر، فمع تطور التكنولوجيا وامتداد العلاقات الإنسانية إلى الفضاء الرقمي، ظهرت أنماط جديدة من الجرائم أكثر خفاءً وخطورة، من أبرزها ما يُعرف بـ الاحتيال العاطفي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ففي عالم الإنترنت، حيث تختفي الوجوه الحقيقية خلف الصور والملفات الشخصية، يمكن لشخص مجهول أن يصنع لنفسه هوية كاملة خلال دقائق: اسم جذاب، صور منتقاة بعناية، كلمات مؤثرة، وربما خطاب ديني أو أخلاقي يوحي بالثقة والاحترام. ومع مرور الوقت، تبدأ المحادثات البسيطة في التحول إلى علاقة افتراضية تحمل مشاعر حقيقية لدى الطرف الآخر.
المشكلة أن هذه المشاعر تكون في كثير من الأحيان مبنية على وهمٍ مُتقن الصنع.
صناعة شخصية وهمية
من أخطر ما تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي هو القدرة على صناعة شخصية كاملة لا وجود لها في الواقع. فالصورة قد تكون مسروقة من حساب آخر، والاسم قد يكون مستعارًا، والحياة التي يرويها صاحب الحساب قد تكون قصة خيالية بالكامل.
ورغم ذلك، يستطيع بعض المحتالين بناء علاقات طويلة مع ضحاياهم، مستغلين حاجة الإنسان الطبيعية إلى التقدير والاهتمام والاحتواء العاطفي.
فالكلمات الدافئة، والاهتمام اليومي، والحديث عن القيم أو التدين أو المعاناة الشخصية، كلها أدوات نفسية تُستخدم أحيانًا لبناء الثقة تدريجيًا قبل استغلالها.
الاحتيال بالمشاعر
هذا النوع من الاحتيال لا يستهدف المال فقط كما يعتقد البعض، بل يستهدف المشاعر نفسها. فقد يلجأ المحتال إلى استدرار التعاطف من خلال قصص مؤثرة، أو خلق علاقة عاطفية وهمية، أو تقديم نفسه كضحية تحتاج إلى الدعم والمساندة.
ومع مرور الوقت، يجد الضحية نفسه متورطًا عاطفيًا في علاقة لا يعرف حقيقتها، وقد يندفع تحت تأثير هذه المشاعر إلى اتخاذ قرارات غير عقلانية، أو تقديم مساعدة مادية، أو مشاركة معلومات شخصية حساسة.
وفي بعض الحالات، قد تتطور الأمور إلى استغلال نفسي عميق يترك آثارًا مؤلمة على الضحية بعد اكتشاف الحقيقة.
لماذا تنجح هذه الحيل؟
يرجع نجاح هذا النوع من الاحتيال إلى عدة عوامل، أهمها طبيعة العلاقات الرقمية نفسها. فالتواصل عبر الشاشة يتيح مساحة كبيرة للتخيل، ويجعل الشخص يملأ الفراغات في الصورة الذهنية للطرف الآخر بما يتوافق مع رغباته وتوقعاته.
كما أن غياب اللقاء المباشر يجعل من الصعب التحقق من صدق الروايات التي يرويها الطرف الآخر، خاصة إذا كانت هذه الروايات مصممة بعناية لإثارة التعاطف أو الإعجاب.
إضافة إلى ذلك، فإن الشعور بالاهتمام الذي تمنحه بعض العلاقات الافتراضية قد يجعل الضحية أقل ميلًا للشك، وأكثر استعدادًا لتصديق ما يسمعه.
الوعي هو خط الدفاع الأول
إن أخطر ما في الاحتيال العاطفي أنه لا يبدو في بدايته جريمة، بل قد يبدو مجرد تعارف عادي بين شخصين. لكن الفارق الحقيقي يكمن في مدى الوعي والقدرة على التحقق. ففي عالم الإنترنت، يجب أن تبقى مسافة من الحذر دائمًا.
ليس كل من يتحدث بلطف صادقًا، وليس كل حساب يحمل صورة حقيقية يمثل شخصًا حقيقيًا.
كما أن بناء علاقات عاطفية عميقة مع أشخاص لم يتم التعرف إليهم في الواقع يظل محفوفًا بالمخاطر، خاصة في ظل انتشار الحسابات المزيفة وأساليب الخداع الرقمي المتطورة.
مسؤولية اجتماعية وثقافية
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على الحذر الفردي فقط، بل تتطلب أيضًا نشر الوعي المجتمعي بخطورة الاحتيال العاطفي وأساليبه المختلفة، خاصة بين الشباب الذين يقضون ساعات طويلة على منصات التواصل الاجتماعي.
فالعلاقات الإنسانية الحقيقية تقوم على المعرفة المباشرة والثقة المتبادلة، لا على محادثات افتراضية قد تخفي وراءها أشخاصًا لا نعرف عنهم شيئًا.
وفي زمن تتسع فيه مساحة العلاقات الرقمية، يصبح الوعي هو الحصن الحقيقي الذي يحمي المشاعر من أن تتحول إلى أداة للخداع والاستغلال.


