تعد العلاقة بين الإعلام والثقافة من أكثر العلاقات عمقا وتأثيرا في تشكيل وعي الإنسان وبناء تصوراته عن ذاته وعن العالم من حوله. فهي ليست علاقة هامشية أو ترفا فكريا يمكن الاستغناء عنه، بل تمثل إحدى الدعائم الأساسية في بناء الحضارة وصياغة الهوية المجتمعية. فالثقافة تشكل الإطار المرجعي للقيم والمعارف والرموز، بينما يمثل الإعلام الأداة التي تنقل هذه المنظومة إلى المجال العام، وتحدد مدى حضورها وتأثيرها وانتشارها.
ولا يقتصر دور الإعلام على نقل المعلومات أو متابعة الأحداث، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة إنتاج المعنى وتوجيه الإدراك الجمعي، سلبا أو إيجابا. فالإعلام القائم على الوعي الثقافي والمعرفة الرصينة يمكن أن يتحول إلى قوة تنوير حقيقية، تساهم في ترسيخ التفكير النقدي، وتوسيع دوائر الحوار، وحماية التنوع الثقافي، وتعزيز الانتماء والوعي بالذات. إعلام يفسر الحدث ولا يكتفي بعرضه، ويربط الواقع بسياقه التاريخي والإنساني، بما يخدم مصالح المجتمع ويصون مستقبله.
وعلى النقيض من ذلك، يؤدي انفصال الإعلام عن الثقافة إلى خطاب سطحي سريع الاستهلاك، يهيمن عليه منطق الإثارة والسبق، ويُفرغ المحتوى من معناه، ويختزل القضايا المعقدة في عناوين صادمة وصور مجتزأة. وتزداد خطورة هذا النمط في عصر الفضاء الرقمي، حيث تتسارع الرسائل وتتعدد المنصات، ويصبح المتلقي محاصرًا بفيضٍ من المعلومات المشوشة، ما يهدد قدرته على التمييز والفهم.
وتبلغ هذه العلاقة ذروة حساسيتها في المجتمعات التي تعيش حالات صراع أو انقسام، إذ قد يتحول الإعلام والثقافة إلى أداتين متقابلتين: إما وسيلتين للفهم والاحتواء، أو أدوات للتحريض لتأجيج. فالإعلام المنفصل عن القيم الثقافية والإنسانية قادر على تغذية خطاب الكراهية، وتعميق الصور النمطية، وتبرير العنف، بما يسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي وتشويه الذاكرة الجماعية.
في المقابل، حين يستند الإعلام إلى ثقافة واعية ويتبنى خطابا إنسانيا مسؤولا، يصبح عنصرا فاعلا في كشف جذور الصراع، وإعلاء صوت العقل، وحماية الهوية من التفتت، وصون الذاكرة من التزييف. إعلامٌ كهذا يفتح مساحات للتلاقي بدل الاستقطاب، وللحوار بدل الإقصاء، ويؤدي دور الجسر نحو السلام لا الوقود للحرب.
كما أن الثقافة، حين تجد منبرًا إعلاميًا نزيهًا، تستعيد قدرتها على الدفاع عن الإنسان وكرامته، وتحويل الألم إلى وعي، والمعاناة إلى فعل معرفي مقاوم، يحصّن المجتمع من الانزلاق إلى العنف الأعمى، ويمنحه القدرة على الصمود وإعادة البناء.
إن هذا الواقع يفرض ضرورة إعادة الاعتبار للشراكة بين الإعلام والمثقفين، وبناء خطاب إعلامي يستند إلى المعرفة دون أن يفقد قدرته على الوصول والتأثير. فالمثقف مطالب بأن يكون حاضرًا في الفضاء الإعلامي، قادرًا على تبسيط أفكاره دون تفريغها من مضمونها، كما أن الإعلامي مطالب بامتلاك وعي ثقافي يحصّن رسالته من السطحية والتضليل.
ختامًا، فإن العلاقة بين الإعلام والثقافة ليست علاقة تبعية، بل علاقة تكامل ومسؤولية مشتركة. وحين تلتقي الرسالة الإعلامية مع العمق الثقافي، يصبح بالإمكان بناء وعي مجتمعي أكثر نضجًا، قادر على مواجهة التشويش، وصناعة مستقبل يليق بتاريخنا وقيمنا الإنسانية