Uncategorized

اعادة تشكيل التوازنات من التقارب السعودي-الإيراني إلى دور تركيا الإقليمي المتصاعد


بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي

تمرّد المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط على التوقعات القديمة، فبينما كانت العيون مُعلّقة على ساحات الصراع الدامية، كانت تحرّكات صامتة وجريئة تعيد رسم خريطة القوى من تحت الرماد. لم يأتِ التقارب السعودي الإيراني كصفعة دبلوماسية مفاجئة فحسب، بل كان إعلاناً صريحاً عن ميلاد منطق جديد يحكم المنطقة منطق تعالت فيه لغة المصلحة الوطنية الباردة على صراعات المذهب والهيمنة القديمة. فلكل من الرياض وطهران أزماتهما الداخلية والاقتصادية التي تستنزف طاقتهما، وأدركتا أن الاستمرار في حرب بالوكالة في اليمن وسوريا ولبنان والعراق هو لعبة خاسرة للطرفين، تفتح الباب لقوى أخرى لملء الفراغ لقد تحولت الأولوية من محاولة إسقاط النظام في الجانب الآخر إلى إدارته، من تحقيق انتصار ساحق إلى تفادي هزيمة كارثية، وهذا في حد ذاته ثورة في التفكير الاستراتيجي الذي ظل أسيراً لعقود من العداء هذا التقارب الهشّ، رغم كل التحديات وعدم الثقة المتبادلة، خلق مجالاً للتنفس، وبدأ يغير حسابات كل اللاعبين الإقليميين والدوليين، مفسحاً المجال لقوة إقليمية أخرى كانت تتربص وتنمو في الظلّ: تركيا.

هنا يظهر التناقض الأبرز؛ فبينما يسعى التقارب السعودي الإيراني إلى “تبريد” بؤر التوتر، نجد تركيا بزعامة أردوغان تتبنى استراتيجية تقوم على “التصعيد الذكي” لتعظيم نفوذها لم تعد أنقرة تكتفي بدور الوسيط أو الحليف الثانوي، بل تطمح إلى أن تكون القطب الإقليمي المركزي الذي لا تكتمل أي معادلة دونه لقد حوّلت أدواتها المتنوعة من الجيش الثاني في حلف الناتو إلى القوة الناعمة عبر المسلسلات والاستثمارات، إلى الورقة الإخوانية إلى رأس مال سياسي تبيعه في كل سوق نراها تتدخل عسكرياً في سوريا وليبيا، وتنشر قوات في العراق وقطر، وتتصادم مع اليونان في شرق المتوسط، وتوسع نطاق نفوذها في أفريقيا وآسيا الوسطى، وتتفاوض في الوقت نفسه مع روسيا وأوكرانيا على صادرات الحبوب، وتشتري منظومات دفاعية من موسكو وتقدم دبابات لأوكرانيا إنها لعبة التوازن المحفوفة بالمخاطر، حيث تظهر تركيا كقوة لا يمكن كبتها ولا يمكن الاستغناء عنها في نفس الوقت.

وهذا المشهد المزدوج تبريد من جهة وتصعيد من جهة أخرى يخلق توازناً إقليمياً جديداً هشاً ومعقداً لم يعد الصراع بين محورين متعارضين (سني/شيعي) كما روّجت له السرديات البسيطة، بل تحول إلى منافسة متعددة المستويات بين ثلاث قوى إقليمية رئيسية (السعودية وإيران وتركيا) كل منها يحاول بناء مجال نفوذه عبر وسائل مختلفة السعودية عبر الاستثمارات الاقتصادية والتحالفات التقليدية، وإيران عبر الميليشيات والأيديولوجيا، وتركيا عبر القوة العسكرية المباشرة والقوة الاقتصادية والناعمة في هذه المعادلة الجديدة، تلعب الدول الصغيرة والمتوسطة مثل الإمارات وقطر ومصر دوراً محورياً في المناورة بين هذه القوى، مما يمنحها هامش مناورة لم تكن تتمتع به من قبل.

لذلك، فإن إعادة تشكيل التوازنات ليست حدثاً وقع وانتهى، بل هي عملية ديناميكية مستمرة التقارب السعودي الإيراني، إذا استمر، قد يحد من نفوذ إيران الميداني ولكنه لا يلغي طموحاتها، وقد يحرر السعودية من هاجس أمني لكنه يزيد من تنافسها الخفي مع تركيا على قيادة العالم السني في المقابل، فإن النشاط التركي المتصاعد يدفع الدول العربية والخليجية تحديداً إلى تقارب أكبر مع إسرائيل كموازن، ويدفع أوروبا إلى إعادة تقييم علاقتها مع أنقرة بين الخوف من تدفق المهاجرين والرغبة في احتوائها المستقبل الإقليمي سيكون نتاج التفاعل بين هذه الاستراتيجيات المتباينة، في حقل ألغام من المصالح المتقاطعة، حيث قد ينجح الجميع في تجنب الحرب الكبرى، لكنهم سيعيشون في حالة من التنافس الحاد والتحالفات المتغيرة التي تجعل الاستقرار الحقيقي بعيد المنال إنه عالم أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية، لكنه أيضاً عالم أكثر تقلباً، حيث تذوب الولاءات القديمة وتتصلب المصالح الجديدة

د/ أحمد صفوت السنباطي

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *