استعادة هيبة المدرسة تنقذ مستقبل التعليم المصري

كتب ضاحى عمار
لم يعد إصلاح التعليم قضية ترتبط بالمناهج الدراسية أو نظم الامتحانات فحسب، بل أصبح قضية أمن قومي تمس حاضر الدولة ومستقبلها، لأن الاستثمار الحقيقي لا يقاس بما ينفق على المباني أو التقنيات، وإنما بما يصنعه التعليم من عقول قادرة على البناء والإبداع والمنافسة. ومع اقتراب كل عام دراسي، تعيش ملايين الأسر المصرية حالة من القلق المتكرر، تبدأ بالبحث عن المدرس الأشهر، وتنتهي بحسابات مرهقة لتدبير نفقات الدروس الخصوصية، في مشهد يكشف حجم التحول الذي أصاب فلسفة التعليم، بعدما تراجعت ثقة قطاعات واسعة من المجتمع في قدرة المدرسة على أداء رسالتها كاملة.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة لتطوير المنظومة التعليمية، من خلال إنشاء مدارس جديدة، وتحديث المناهج، وإدخال وسائل تعليمية حديثة، فإن المواطن البسيط ما زال يقيس نجاح تلك الجهود بمدى قدرة ابنه على التعلم داخل الفصل الدراسي، ومدى استغنائه عن الدروس الخصوصية، لأن المدرسة كانت وستظل المعيار الحقيقي لنجاح أي مشروع تعليمي.
وخلال السنوات الأخيرة، كشفت نتائج امتحانات الشهادة الإعدادية والثانوية العامة عن تحديات تستوجب الدراسة والتقييم المستمر. فقد شهدت بعض النتائج تراجعًا في نسب النجاح داخل عدد من المحافظات، وارتفعت طلبات التظلمات، وأبدى كثير من أولياء الأمور والطلاب ملاحظات تتعلق بمستوى بعض الأسئلة، وطريقة توزيع الدرجات، ومدى توافق الامتحانات مع ما تلقاه الطلاب داخل الفصول. كما برزت فجوة بين التحصيل الدراسي داخل المدرسة وما يحتاج إليه الطالب لتحقيق التفوق، وهو ما دفع كثيرًا من الأسر إلى البحث عن بدائل خارج المؤسسة التعليمية.
ولم تعد الدروس الخصوصية بالنسبة لعدد كبير من الأسر وسيلة لتحسين المستوى العلمي، بل أصبحت في نظر البعض ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وهو أمر فرض أعباء مالية ضخمة على الأسر، واستنزف دخولها، وأثر في الاستقرار النفسي للطلاب، بعدما تحول العام الدراسي إلى سباق متواصل، لا يكاد ينتهي امتحان حتى يبدأ الاستعداد لما يليه، وسط ضغوط متزايدة وتنافس محموم على الدرجات.
ولا يمكن تحميل المعلم وحده مسؤولية هذا الواقع، فالمعلم المصري ما زال يمثل أحد أهم أعمدة العملية التعليمية، ويؤدي رسالته بإخلاص في كثير من المدارس، رغم ما يواجهه من تحديات مهنية واقتصادية. غير أن المنظومة التعليمية أصبحت بحاجة إلى معالجة شاملة تعيد الاعتبار للفصل الدراسي، وتوفر للمعلم البيئة التي تمكنه من أداء رسالته داخل المدرسة، وتمنح الطالب الثقة بأن ما يتلقاه في يومه الدراسي يكفي لبناء مستواه العلمي.
وفي هذا السياق، يبرز الأزهر الشريف باعتباره تجربة تعليمية راسخة استطاعت الحفاظ على مكانة المعهد الأزهري بوصفه المؤسسة الأساسية للتعليم والتربية معًا. فمنذ سنوات، يواصل فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب قيادة مسيرة تطوير التعليم الأزهري برؤية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتؤكد أن بناء الإنسان لا ينفصل عن بناء العقل، وأن التفوق العلمي لا يكتمل إلا بالأخلاق والانضباط والوعي.
وقد شهدت المعاهد الأزهرية اهتمامًا متواصلًا بتطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، وتعزيز الانتظام الدراسي، والالتزام بالحضور داخل الفصول، مع التوسع في استخدام الوسائل التعليمية الحديثة، وربط العلوم الشرعية بالعلوم التطبيقية والإنسانية، بما يضمن إعداد طالب يمتلك المعرفة والقدرة على التفكير السليم، ويحمل في الوقت نفسه قيم الاعتدال والوسطية والانتماء الوطني.
ويمثل فضيلة الأستاذ الدكتور عباس شومان امين عام هيئة كبار العلماء ومشرف لجنة الفتوى بالأزهر وأحد أبرز الرموز العلمية التي أسهمت في ترسيخ هذه الرؤية، من خلال دعواته المستمرة إلى الارتقاء بالعملية التعليمية، والمحافظة على مكانة المعاهد والكليات الأزهرية، والتأكيد على أن رسالة التعليم لا تقتصر على نقل المعلومات، وإنما تبدأ ببناء الضمير، وصناعة الشخصية، وغرس قيم الصدق والانضباط واحترام العلم.
ولم يكن اهتمام الأزهر مقتصرًا على تطوير المناهج أو تحديث اللوائح، بل امتد إلى ترسيخ ثقافة الالتزام بالحضور اليومي داخل المعاهد والكليات، لأن التواصل المباشر بين الأستاذ والطالب يمثل حجر الأساس في تكوين الشخصية العلمية. ومن هنا نجح الأزهر في الحفاظ على قيمة الفصل الدراسي، باعتباره المكان الطبيعي لتلقي العلم، وهو ما أسهم في الحد من الاعتماد على الدروس الخصوصية داخل قطاعات واسعة من التعليم الأزهري، مقارنة بما تشهده بعض المؤسسات التعليمية الأخرى.
كما حرص الأزهر على تطوير كلياته في مختلف التخصصات الشرعية والعلمية والطبية والهندسية، ودعم البحث العلمي، والانفتاح على المستجدات العالمية، مع الحفاظ على الهوية المصرية والعربية والإسلامية، ليظل منارة علمية يقصدها آلاف الطلاب الوافدين من مختلف دول العالم، يحملون معهم رسالة الأزهر القائمة على العلم والعمل والاعتدال والتعايش، وينقلونها إلى مجتمعاتهم بعد التخرج، بما يعزز مكانة مصر العلمية والدينية على المستوى الدولي.
ومن هنا تبدو التجربة الأزهرية جديرة بالدراسة والاستفادة، لأنها تؤكد أن نجاح أي منظومة تعليمية يبدأ من داخل الفصل الدراسي، وأن المعلم عندما يجد التقدير والدعم، والطالب عندما يشعر بقيمة الحضور والانضباط، تتحول المؤسسة التعليمية إلى بيئة حقيقية لصناعة المعرفة، لا إلى مجرد محطة للامتحانات.
وإذا كانت التجربة الأزهرية قد أثبتت أن الانضباط والالتزام بالحضور يمثلان ركيزة أساسية لنجاح العملية التعليمية، فإن هذا النموذج يؤكد أن استعادة المدرسة لدورها ليست أمرًا مستحيلًا، وإنما تحتاج إلى تكاتف جميع الأطراف، بدءًا من الأسرة، مرورًا بالمعلم والإدارة التعليمية، وصولًا إلى مؤسسات الدولة المعنية بوضع السياسات التعليمية وتنفيذها.
ولعل أخطر ما أفرزته السنوات الأخيرة ليس انتشار الدروس الخصوصية في حد ذاته، وإنما ترسيخ قناعة لدى بعض الأسر بأن المدرسة لم تعد قادرة على أداء رسالتها كاملة، وهي قناعة إذا استمرت ستنعكس سلبًا على علاقة الطالب بمؤسسته التعليمية، وستفقد المدرسة تدريجيًا دورها التربوي والثقافي، لتتحول إلى مكان يرتبط بالحضور والغياب فقط، بينما تنتقل عملية التعلم إلى أماكن أخرى.
كما أن استمرار هذا الواقع يفرض أعباءً اقتصادية ثقيلة على ملايين الأسر المصرية، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إذ يجد كثير من أولياء الأمور أنفسهم مضطرين إلى تخصيص جانب كبير من دخولهم للإنفاق على الدروس الخصوصية، وهو ما يؤثر في قدرتهم على تلبية احتياجات أسرهم الأساسية، ويضاعف الضغوط النفسية على الطلاب الذين يعيشون طوال العام تحت وطأة الخوف من فقدان الدرجات، بدلًا من أن يعيشوا متعة التعلم واكتشاف المعرفة.
وتبرز نتائج امتحانات الشهادة الثانوية والشهادة الإعدادية كل عام باعتبارها مؤشرًا مهمًا يحتاج إلى قراءة متأنية، فارتفاع نسب التظلمات، وشعور بعض الطلاب بأن نتائجهم لا تعكس مستوى أدائهم، وتفاوت نسب النجاح بين المحافظات، كلها مؤشرات تستدعي استمرار تطوير أساليب التقويم والامتحانات، بما يحقق العدالة، ويقيس الفهم الحقيقي، ويمنح كل طالب حقه كاملًا دون زيادة أو نقصان.
وفي المقابل، فإن تطوير التعليم لا ينبغي أن يقتصر على تحديث المناهج أو إدخال التكنولوجيا، فهذه الأدوات تظل وسائل مساعدة، بينما يبقى المعلم الكفء هو العنصر الأهم في نجاح أي منظومة تعليمية. ومن ثم فإن تحسين أوضاع المعلمين، وتوفير برامج تدريب مستمرة، ومنحهم المكانة التي تليق برسالتهم، يعد استثمارًا مباشرًا في مستقبل الوطن، لأن المعلم هو من يصنع الطبيب والمهندس والقاضي والعالم والمفكر.
كما أن الأسرة تتحمل مسؤولية كبيرة في ترسيخ قيمة المدرسة لدى الأبناء، وتشجيعهم على الانتظام في الدراسة، وعدم ربط النجاح بالدروس الخصوصية وحدها، فالدور التربوي للأسرة لا يقل أهمية عن الدور التعليمي للمدرسة، وعندما تتكامل المؤسستان تنشأ أجيال أكثر وعيًا وقدرة على تحمل المسؤولية.
وتتحمل وسائل الإعلام أيضًا مسؤولية وطنية في نشر ثقافة التعليم الحقيقي، وإبراز النماذج الناجحة من المعلمين والمدارس والمعاهد، وتسليط الضوء على التجارب التي أعادت الاعتبار للفصل الدراسي، بعيدًا عن التهويل أو نشر ثقافة الخوف التي تزيد من قلق الأسر مع بداية كل عام دراسي.
إن التجربة التي يقدمها الأزهر الشريف تؤكد أن الانضباط داخل المؤسسة التعليمية، والاهتمام بالمعلم، والمتابعة المستمرة للطلاب، وغرس القيم الأخلاقية، تمثل عناصر أساسية في بناء منظومة تعليمية ناجحة. فالعلم في رسالة الأزهر لم يكن يومًا منفصلًا عن الأخلاق، ولم تكن المعرفة غاية في ذاتها، بل وسيلة لبناء الإنسان الصالح القادر على خدمة وطنه ومجتمعه والإنسانية كلها.
ولذلك فإن استعادة هيبة المدرسة المصرية لا تعني مواجهة الدروس الخصوصية بقرارات إدارية فقط، وإنما تعني إعادة بناء الثقة بين الطالب ومدرسته، وبين ولي الأمر ومؤسسته التعليمية، وبين المجتمع ورسالة التعليم. فعندما يصبح الفصل الدراسي المكان الأول لاكتساب المعرفة، ويتحول المعلم إلى المرجع العلمي الحقيقي لطلابه، ستتراجع الحاجة إلى الدروس الخصوصية تلقائيًا، لأنها ستعود إلى حجمها الطبيعي باعتبارها وسيلة مساعدة في حالات محدودة، لا بديلًا عن المدرسة.
إن مصر تمتلك تاريخًا تعليميًا عريقًا، وتمتلك مؤسسات قادرة على استعادة هذا الدور، وفي مقدمتها الأزهر الشريف بما يحمله من رسالة علمية وإنسانية امتدت لأكثر من ألف عام. واليوم تبدو الفرصة مواتية للاستفادة من التجارب الناجحة داخل مؤسسات الدولة، والبناء عليها، حتى يعود التعليم إلى مكانته الطبيعية بوصفه مشروعًا وطنيًا لصناعة الإنسان، لا مجرد وسيلة للحصول على شهادة.
ويبقى الرهان الحقيقي على أن تستعيد المدرسة المصرية دورها الكامل، وأن يعود الطالب إلى فصله الدراسي مطمئنًا إلى أن العلم الذي يبحث عنه سيجده بين معلميه، وأن تستعيد الأسرة ثقتها في المؤسسة التعليمية، لأن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ من مدرسة قوية، ومعلم متمكن، ومناهج عصرية، وبيئة تعليمية تصنع العقل، وتغرس الأخلاق، وتفتح الطريق أمام أجيال تحمل راية العلم، وتواصل مسيرة التنمية، وتكتب مستقبل مصر بعقول مستنيرة وسواعد مؤمنة بقيمة العمل والمعرفة



