بقلم : د . هاني المصري
في لحظة بدت فيها لغة التهدئة تطغى على المشهد بين الولايات المتحدة وإيران، كانت الكواليس تغلي بتفاصيل مغايرة تمامًا، تكشف أن ما جرى لم يكن سوى محاولة لاحتواء انفجار وشيك، لا تسوية حقيقية للصراع. فالمؤشرات القادمة من خلف الأبواب المغلقة ترسم صورة أكثر قتامة، حيث تتقاطع المصالح مع الضغوط العسكرية والاقتصادية، لتنتج ما يمكن وصفه بهدنة الضرورة، لا هدنة الاختيار.
الهدنة التي تم التوافق عليها، والتي يُقال إنها تمتد لأسبوعين فقط، جاءت بوساطة من باكستان، في أعقاب تصعيد خطير كاد يدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة. غير أن ما يلفت الانتباه هو أن هذا الاتفاق لم يعالج جذور الخلاف، بل تجاوزها مؤقتًا. فقد تمسكت واشنطن بضرورة وقف إطلاق النار مقابل إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، بينما أصرت طهران على شروط أكثر عمقًا تشمل رفع العقوبات وانسحابًا أمريكيًا من المنطقة مع الاحتفاظ ببرنامجها النووي. وبين هذين الموقفين المتباعدين، لم يكن هناك مجال لاتفاق نهائي، فكان الحل هو هدنة مؤقتة تؤجل الصدام بدل أن تنهيه.
خلف الأبواب المغلقة، تشير التسريبات إلى أن الإدارة الأمريكية، خلال فترة حكم دونالد ترامب، وجدت نفسها أمام معادلة معقدة؛ فالتصعيد العسكري لم يحقق الأهداف المعلنة، لا على صعيد إضعاف النظام الإيراني ولا في كبح برنامجه النووي. ومع تصاعد احتمالات الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة، بدا القبول بهدنة مؤقتة خيارًا تكتيكيًا لتجنب مزيد من التورط. في المقابل، نجحت إيران في توظيف أحد أهم أوراقها الاستراتيجية، وهو مضيق هرمز، حيث أدى تعطيل الملاحة إلى رفع أسعار النفط عالميًا، ما منحها قوة تفاوضية إضافية. وفي الكواليس، وافقت طهران على فتح جزئي للمضيق مقابل وقف الضربات، في خطوة تعكس براغماتية محسوبة أكثر من كونها تنازلًا.
إلا أن أكثر نقاط الخلاف حساسية تمثلت في تعريف “نطاق الهدنة” نفسها. فبينما رأت طهران وإسلام آباد أن الاتفاق يجب أن يشمل جميع الجبهات، بما في ذلك الساحات المتصلة مثل لبنان، تمسكت واشنطن ومعها إسرائيل بحصر الهدنة في إطار العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران فقط. هذا التباين لم يكن نظريًا، بل انعكس ميدانيًا مع استمرار الضربات في لبنان، ما اعتبرته طهران خرقًا مباشرًا للاتفاق، وكاد أن يفجر الهدنة في أيامها الأولى، ليكشف هشاشتها البنيوية منذ البداية.
وفي محاولة لاحتواء هذا التوتر، جرى الاتفاق على إطلاق مفاوضات مباشرة في العاصمة إسلام آباد خلال أيام، بهدف تحويل الهدنة المؤقتة إلى اتفاق أكثر استدامة. غير أن المؤشرات الأولية لا توحي بسهولة هذا المسار، إذ يدخل كل طرف المفاوضات بشروط متناقضة جذريًا، ما يجعل احتمالات التوصل إلى تسوية شاملة محدودة في المدى القريب.
أما الحديث عن “مدّ الهدنة” فيعكس في جوهره إدراكًا متبادلًا بعدم جاهزية أي من الطرفين للحسم العسكري. فلا واشنطن نجحت في فرض معادلة جديدة، ولا طهران تعرضت لانهيار يفرض عليها التراجع. يضاف إلى ذلك القلق المتزايد من اتساع رقعة الصراع، في ظل اشتعال جبهات إقليمية وتهديد الملاحة الدولية، فضلًا عن حاجة الطرفين إلى كسب الوقت لإعادة ترتيب أوراقهما وتحسين شروط التفاوض.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الهدنة الحالية مجرد فصل مؤقت في صراع لم تُحسم معالمه بعد، حيث يستمر كل طرف في إعادة ترتيب أوراقه استعدادًا لجولة جديدة، سواء على طاولة المفاوضات أو في الميدان. وبينما تتجه الأنظار إلى مفاوضات إسلام آباد، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لهذا المسار أن يتحول إلى تسوية حقيقية، أم أنه مجرد تأجيل لانفجار أكبر؟

