بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية أن التوحيد يتضمن من محبة الله والخضوع له، والذل له وكمال الإنقياد لطاعته وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال والمنع والعطاء والحب والبغض ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها، فيا إخوة الإيمان إذا كان هذا هو شأن التوحيد فإنه يحق لعين الموحد أن تدمع ولفؤاده أن يتفطر وهو يرى فئاما من أبناء هذه الأمة يقعون في أنواع شتى من الشرك المنافي للتوحيد أو كماله، ففي بعض البلدان الإسلامية فئام من الناس، قد تعلقوا بأصحاب القبور، والتجؤوا إليهم، وتضرعوا أمام أعتابهم، فقبلوها وتمسحوا بها وطافوا بها وأوقفوا الأموال الطائلة عليها، واستغاثوا بأهلها في الشدائد والكروب، وإذا أنكرت على هؤلاء قاموا عليك واتهموك بأنك تتنقص الأنبياء ولا تحب الأولياء.
وسبحان الله وهل كان شرك الأولين، قوم نوح ومن بعدهم إلا بدعاء الأولياء والتعلق بهم من دون الله؟ ومما يهدم التوحيد في النفوس ما يقع في بعض الكتابات أو البرامج من الطعن في الدين وأحكامه والإستهزاء بالله وكتابه ورسوله المصطفي صلي الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالي ” قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم” ثم انظر إلى من فتنوا بالسحرة الدجالين، والمشعوذين الأفاكين، الذين تطاولوا على الغيب فيما يسمى بمجالس تحضير الأرواح، أو قراءة الكف والفنجان، أو معرفة الأبراج، وقد قال رسول الله “من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ” رواه البخاري ومسلم، وإن من المواطن التي ينبغي أن يتحلى العبد فيها بالقوة أكثر من غيرها هو عند استحواذ الغضب عليه، حيث أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو.
لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة، وإذا ملك نفسه عند حصوله كان قد قهر أقوى أعدائه، وقد كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة في النهي عن الغضب، ويقول الإمام ابن حجر قال بعض العلماء خلق الله الغضب من النار، وجعله غريزة في الإنسان، فمهما قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب، وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم لأن البشرة تحكي لون ما وراءها وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه إنقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب، فيصفر اللون حزنا وإن كان على النظير تردد الدم بين إنقباض وإنبساط فيحمر ويصفر، ويترتب على الغضب تغير الظاهر والباطن كتغير اللون والرعدة في الأطراف، وخروج الأفعال عن غير ترتيب.
وإستحالة الخلقة حتى لو رأى الغضبان نفسه في حال غضبه لكان غضبه حياء من قبح صورته، وإستحالة خلقته هذا كله في الظاهر، وأما الباطن فقبحه أشد من الظاهر لأنه يولد الحقد في القلب والحسد، وإضمار السوء على إختلاف أنواعه بل أولى شيء يقبح منه باطنه وتغير ظاهره ثمرة تغير باطنه وهذا كله أثره في الجسد، وأما أثره في اللسان، فانطلاقه بالشتم والفحش الذي يستحي منه العاقل، ويندم قائله عند سكون الغضب، ويظهر أثر الغضب أيضا في الفعل بالضرب أو القتل، وإن فات ذلك بهرب المغضوب عليه رجع إلى نفسه فيمزق ثوب نفسه، ويلطم خده، وربما سقط صريعا وربما أغمي عليه وربما كسر الآنية، وضرب من ليس له في ذلك جريمة ومن تأمل هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قوله صلى الله عليه وسلم.
“لا تغضب من الحكمة وإستجلاب المصلحة في درء المفسدة مما يتعذر إحصاؤه والوقوف على نهايته وهذا كله في الغضب الدنيوي لا الغضب الديني” واعلموا يرحمكم الله إن الإخلاص هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة المرسلين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” قال تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه” رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم “من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يعني ريحها يوم القيامة” رواه أبو دواد، وقد يقول قائل ماهو الإخلاص الذي يأتي في الكتاب والسنة وفي إستعمال السلف الصالح رحمهم الله تعالي، فأقول لقد تنوعت تعاريف العلماء للإخلاص ولكنها تصب في معين واحد ألا وهو أن يكون قصد الإنسان في سكناته وحركاته.
وعباداته الظاهرة والباطنة خالصة لوجه الله تعالى لا يريد بها شيئا من حطام الدنيا أو ثناء الناس، وقال الفضل بن زياد سألت أبا عبد الله، وهو يعني الإمام أحمد بن حنبل، سألته عن النية في العمل، قلت كيف النية، قال يعالج نفسه إذا أراد عملا لا يريد به الناس لأنه لا يريد به إلا وجه الله تبارك تعالى.