مقال

إدمان دور الضحية: حين يتحول الألم إلى وسيلة خفية للسيطرة

د.سوهير الطوبل
استشاري نفسي واسري وتربوي

في التجربة الإنسانية، الألم ليس عيبًا… بل هو دليل حياة.
لكن الخطر لا يكمن في الألم ذاته، بل في الطريقة التي نُعيد بها تشكيله داخلنا.
فبين إنسان يتألم ليشفى، وآخر يتألم ليبقى، تنشأ واحدة من أخطر الحالات النفسية: إدمان دور الضحية.
هذه الحالة لا تعني إنكار المعاناة الحقيقية، بل تعني التوقف عندها… والبقاء فيها… بل واستخدامها أحيانًا كوسيلة غير مباشرة للسيطرة على الآخرين.
حين يصبح الألم هوية… لا تجربة
الإنسان الطبيعي يمر بالألم، يتأثر به، ثم يحاول تجاوزه.
أما في هذه الحالة، فالألم لا يُغادر… لأنه لم يعد مجرد حدث، بل أصبح هوية.
تتحول الجمل من:
“أنا مررت بتجربة صعبة”
إلى:
“أنا شخص مظلوم دائمًا”
وهنا يحدث الخلل العميق:
حين يندمج الإنسان مع ألمه لدرجة أنه لا يرى نفسه إلا من خلاله.
السيطرة الناعمة: قوة الضعف
قد يبدو الشخص في هذا الدور ضعيفًا، منكسرًا، محتاجًا…
لكن في العمق، يمتلك نوعًا من السيطرة الخفية.
كيف؟
حين يجعلك تشعر بالذنب إن لم تبقَ بجانبه
حين يُحمّلك مسؤولية حالته النفسية
حين يرفض أي حل، ليُبقيك عالقًا في دائرة إنقاذه
حين يستخدم معاناته كحجة دائمة لتبرير سلوكياته
إنها ليست قوة صريحة… لكنها قوة قائمة على استنزاف الآخر.
لماذا يُدمن البعض هذا الدور؟
لأن هذا الدور يحقق مكاسب نفسية عميقة، منها:
ضمان الاهتمام دون طلب مباشر
تجنب المسؤولية عن التغيير
الحصول على تعاطف غير مشروط
الهروب من مواجهة الذات والقرارات الصعبة
بمعنى أدق:
الألم هنا لا يُرفض… بل يُستثمر.
العلامة الفارقة: رفض التعافي
ليس كل من يشتكي ضحية مزيفة…
لكن الفارق الحقيقي يظهر هنا:
الضحية الحقيقية تبحث – حتى وهي ضعيفة – عن مخرج،
أما مدمن دور الضحية، فيقاوم هذا المخرج… لأنه يهدد “مكاسبه”.
فهو لا يريد أن يُحل مشكلته،
بل أن يُعترف بها… باستمرار.
الأثر المدمر على العلاقات
هذا النمط لا يمر دون ثمن.
فمع الوقت، يشعر المحيطون بالإرهاق، بالاستنزاف، وربما بالذنب المستمر.
العلاقة تتحول من مشاركة إنسانية إلى عبء نفسي،
ومن دعم متبادل إلى علاقة غير متوازنة قائمة على الأخذ فقط.
والأخطر…
أن الشخص نفسه يبقى عالقًا في نفس النقطة، يكرر نفس الألم، ويعيد إنتاج نفس القصة… دون نهاية.
التحرر: من دور الضحية إلى وعي المسؤولية
التحرر من هذا النمط لا يعني إنكار الألم، بل إعادة تعريف العلاقة معه.
أن تعترف: “نعم، تألمت”
لكن تضيف: “وأنا مسؤول عن شفائي”
أن تتوقف عن استخدام الألم كوسيلة تأثير،
وتبدأ في استخدامه كدافع للتغيير.
أن تدرك أن التعاطف لا يُطلب بالانكسار الدائم،
بل يُبنى بالصدق والقوة معًا.
وأخيرًا…
أخطر ما في إدمان دور الضحية
أنه يمنحك شعورًا زائفًا بالقوة… بينما يسلبك قدرتك الحقيقية على التغيير.
ففي اللحظة التي تختار فيها أن تبقى ضحية،
تتخلى – دون أن تشعر – عن أهم ما تملك:
قدرتك على أن تكون فاعلًا في حياتك، لا مجرد متألمٍ فيها.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *