
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي خلق فسوى وقدر فهدى، وأسعد وأشقى، وأضل بحكمته وهدى، ومنع وأعطى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الأعلى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى، والرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى، ثم أما بعد ذكرت المصادر عن اشهر روايات الحرب والسلام وهي رواية الكاتب الروسي تولستوي، وقد نشر تولستوي مقالا بعنوان “بضع كلمات عن كتاب الحرب والسلام” وقال فيه إنه كرس لهذا العمل سنوات من العمل المتواصل والإستثنائي، في ظل أفضل الظروف المعيشية وأوضح موقفه في ست نقاط ويقول تولستوي إن هذه ليست رواية أو قصيدة أو سجلا تاريخيا، فالحرب والسلام هو ما أراده المؤلف وأمكنه التعبير عنه بالشكل الذي تم التعبير عنه به، ويبرر الكاتب تولستوي إختلافه في وصف الأحداث التاريخية.
مع قصص المؤرخين بأن ذلك لم يأتي مصادفة، ولكن لا مفر منه، فالمؤرخ والفنان، عند وصف حقبة تاريخية، لديهما موضوعان مختلفان تماما، فكما يخطئ المؤرخ إذا حاول تقديم شخص تاريخي بكل نزاهته، وبكل تعقيد علاقاته بجميع جوانب الحياة، كذلك فإن الفنان لن يفي بمهمته إذا قدّم دائما الشخص في صورته التاريخية، لم يكن القائد كوتوزف يركب طوال اليوم فوق حصانه بمكبر في يده ليراقب الأعداء، كما لم تقف الإمبراطورة ماريا فيودوروفنا دائما في رداء فرو، وتتكئ بيدها على سور القصر، هكذا يراهما الخيال الشعبي، ويقول تولستوي إن المؤرخ يضطر أحيانا بثني الحقيقة إلى جمع كل تصرفات الشخص التاريخي تحت فكرة واحدة اعتنقها في هذا الشخص، على العكس من ذلك، يرى الفنان في عزلة هذه الفكرة تناقضا مع مهمته.
ولا يحاول فهم شخصية البطل وإظهارها فحسب بل فهمه بوصفه إنسانا وفي وصف الأحداث نفسها، يكون الفارق أكثر وضوحا وأهمية، ويتعامل المؤرخ مع نتائج حدث ما، أما الفنان فيتعامل مع حقيقة الحدث نفسها، ويقول المؤرخ في وصف المعركة تحرك الجناح الأيسر لجيش كذا وكذا نحو قرية كذا وكذا، وأسقط العدو، لكنه اضطر إلى التراجع، ولا يستطيع المؤرخ أن يتكلم بغير ذلك، وفي الوقت نفسه فيما يتعلق بالفنان، وهذه الكلمات ليس لها أي معنى، ولا تؤثر في الحدث نفسه، ويستنتج الفنان إما من تجربته الخاصة، وإما من الرسائل والملاحظات والقصص، فكرته عن الحدث الذي وقع، وفي كثير من الأحيان في مثال المعركة إستنتاج عن أنشطة كذا وكذا القوات، وما يفعله المؤرخ هو عكس النتيجة التي توصل إليها الفنان، ويقول تولستوي إن تفسير الإختلاف في النتائج.
التي تم الحصول عليها نجده في المصادر التي يستمد منها كل طرف معلوماته، أما المؤرخ الذي يرصد المعركة، فإن المصدر الرئيس هو تقارير الضباط والقائد الأعلى، ولا يستطيع الفنان أن يستخلص أي شيء من هذه المصادر، فهي لا تقول له شيئا، ولا تشرح له شيئا، بالإضافة إلى ذلك، يبتعد الفنان عنهم، ويجد فيهم الكذبة اللازمة، وليست هناك حاجة إلى القول إنه في كل معركة، يصف كلا العدوين دائما المعركة المعاكسة تماما لبعضهما البعض في كل وصف للمعركة هناك حاجة إلى الأكاذيب، الناشئة عن الحاجة إلى وصف في بضع كلمات تصرفات آلاف الأشخاص المنتشرين على عدة أميال، والذين هم في أقوى حالات النزاع الأخلاقي تحت تأثير الخوف والعار والموت، ويؤكد تولستوي أن مهمة الفنان والمؤرخ مختلفة تماما.
وأن الخلاف مع المؤرخ في وصف الأحداث والأشخاص في روايته لا ينبغي أن يصدم القارئ، لكن يجب على الفنان ألا ينسى أن فكرة الأشخاص والأحداث التاريخية التي شكلها الشعب لا تقوم على الخيال بل على الوثائق التاريخية، كما يقول تولستوي يجب على الفنان أن يسترشد مثل المؤرخ بالمواد التاريخية، وحين تتكلم الشخصيات التاريخية وتتصرف في روايتي، فإنني لم أخترعها، بل إستخدمت مواد كانت بحوزتي في ذلك الوقت، تشكل عملي من مكتبة كاملة من الكتب، التي لا أجد ضرورة لكتابة عناوينها هنا، ولكن يمكنني الرجوع إليها دائما.

