مقال

أعيادٌ في مهبِّ الريح:كيف اغتالت الحروب والفاقة طقوس الفرح؟


بقلم: د.ذكاء رشيد
يحلُّ العيدُ هذا العام على وقعِ طبولِ الحربِ وأنينِ الجياع، ليطرحَ سؤالاً جوهرياً يتجاوزُ فكرةَ الاحتفال: هل ما زالتِ الشعوبُ المنهكةُ قادرةً على استعادةِ دهشةِ العيد؟ وسطَ أرقامٍ صادمةٍ لمعدلاتِ الفقرِ العالمي وتفككِ الروابطِ الأسرية، يبدو العيدُ وكأنه “تذكيرٌ قسريّ” بما فقدناه، وليس احتفاءً بما نملكه.
واقعٌ بالأرقام: العيدُ لمن استطاعَ إليه سبيلاً


لم يَعُدِ الفقرُ مجردَ ضيقٍ في اليد، بل استحالَ عائقاً نفسياً يمحو “البسمة” عن وجوهِ الأطفال. وبحسبِ تقاريرَ اجتماعيةٍ حديثة، فإنَّ الغلاءَ الفاحشَ جعلَ من “كسوةِ العيد” حُلماً بعيدَ المنالِ لملايينِ الأسر. يقول (أبو محمد)، وهو أبٌ لأربعةِ أطفالٍ في مخيماتِ النزوح: “العيدُ بالنسبةِ لنا هو يومٌ عاديٌّ يزدادُ فيه شعورنا بالعجز. لا فرحَ لمن لا يملكُ ثمنَ قطعةِ حلوى يمسحُ بها دمعةَ صغيره”. هذا الواقعُ الميداني يثبتُ أنَّ الجوعَ قد انتصرَ على البهجة، وأنَّ الأخبارَ العالميةَ الصادمة باتت هي “العيدية” الوحيدة التي نتلقاها.


تصدُّعُ الجدارِ الاجتماعي: شتاتٌ وغربة
خلفَ جدرانِ البيوتِ المهدّمة، تبرزُ ظاهرةُ “انحلالِ الروابطِ الأسرية”. لم يَعُدِ العيدُ يجمعُ “اللمة” المعهودة؛ فالحروبُ لم تكتفِ بتدميرِ الحجر، بل شتتتِ البشرَ في أصقاعِ الأرض. بينَ مغتربٍ يبحثُ عن أمان، ومفقودٍ غيَّبه الركام، ومُهجَّرٍ فقدَ بوصلةَ الانتماء، تلاشتِ القيمُ التي كانت تُحيي روحَ الجماعة. يرى خبراءُ علمِ الاجتماع أنَّ “الضغوطَ المعيشية والحروبَ الطويلة خلقت حالةً من العزلةِ النفسية، حيثُ انكفأَ الجميعُ على همومهم الخاصة، وغابت الأخلاقُ التكافلية التي كانت تميزُ مجتمعاتنا في السابق”.


الطفولةُ المسروقة.. عيدٌ بلا براءة
في مناطقِ النزاع، يمرُّ العيدُ ثقيلاً. الأطفالُ الذين كانوا ينتظرون “العيدية” لممارسةِ ألعابهم، باتوا اليومَ يرقبون السماءَ خوفاً، أو يبحثون في ركامِ الدمارِ عن بقايا حياة. إنَّ غيابَ “بسمةِ العيد” عن وجوهِ الصغار هو الإدانةُ الكبرى لضميرِ العالم الذي يشاهدُ تآكلَ براءةِ جيلٍ كاملٍ تحتَ وطأةِ السياسةِ والجشع.
خاتمة: هل من سبيلٍ للعودة؟


إنَّ احترافيةَ المشهدِ تقتضي منا الاعترافَ بأنَّ العيدَ لن يعودَ كما كان، ما لم تكن هناك إرادةٌ حقيقيةٌ لترميمِ الإنسانِ قبلَ البنيان. العيدُ الحقيقي هو عودةُ المغترب، وشبعُ الجائع، وصلةُ الرحمِ المقطوعة. ودونَ ذلك، سيبقى العيدُ مجردَ تاريخٍ على التقويم، يمرُّ بنا دونَ أن يمرَّ بقلوبنا.
….و دمتم بخير

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *