بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء في كتب المغازي أنه كان في أحداث غزوة بدر الكبري أسرار كبيرة، فإنه عندما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوت العير مع أبي سفيان وخروج قريش فى تلك العدة والحدة، إستشار أصحابه، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم، فتكلموا أيضا فأحسنوا، ثم استشارهم الثالثة، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ سيد الأوس فقال “يا رسول الله، كأنك تعرض بنا وكان إنما يعنيهم لأنهم إنما بايعوه ليلة العقبة أن يمنعوه في ديارهم، لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها ألا تنصرك إلا فى ديارهم، وإنى أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر، فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك،
ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك” وقال له المقداد بن الأسود “لا نقول كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك” فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسر بما سمع من أصحابه، وقال “سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، وإنى قد أريت مصارع القوم” فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ بدرا وهي بئر حفرها بدر بن الحارث، فأما قريش فقد كتب إليهم أبو سفيان أن ارجعوا فقد نجت عيركم وسلم مالكم الذين خرجتهم لمنعه، فأتاهم الخبر وهم بالجحفة بجوار رابغ، فقال أبو جهل والله لا نرجع حتى نقدم بدرا، فنقيم بها ونطعم من حضرنا من العرب، وتخافنا العرب بعد ذلك، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عشاء ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان.
وسبق قريشا إلى أغزرها وأعذبها ماء، فنزل عليها وغور باقيها، وبات الفريقان فى مكانهما من بدر، وباتت قريش على غير ماء، وأنزل الله تلك الليلة وابلا شديدا منع المشركين من التقدم، وكان على المسلمين طلا طهرهم الله وأذهب عنهم رجز الشيطان، ووطأ الأرض وصلب به الرمل، وثبت به الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به على قلوبهم، وبنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش على تلك مرتفع يشرف منه على المعركة، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى فى مكان المعركة، وأخذ يشير بيده ويقول “هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله” فما تعدى أحد منهم موضع إشارته، فلما تراءى الجمعان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اللهم هذه قريش جاءت بخيلها وفخرها، جاءت تحاربك وتكذب رسولك” ثم رفع يديه إلى السماء يسأل ربه النصر ويقول
“اللهم أنجز لي ما وعدتى، اللهم إنى أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض بعد” وأخذ يلح على ربه في ضراعة وخشوع بالغ وذلة، حتى سقط رداء، فالتزمه الصديق رضي الله عنه وقال “حسبك يا رسول الله مناشدة لربك، أبشر فوالذى نفسى بيده، لينجزن الله لك ما وعدك” وأخذ المسلمون كذلك يستنصرون ربهم ويستغيثونه ويتضرعون إليه، وأخلصوا له وحده الدعاء والمسألة، متوسلين إليه بضراعهم وفقرهم، وذلتهم وإخباتهم، وإخلاصهم وخروجهم لنصر دينه لا يرجون غيره ولا يطلبون سوى مرضاته، ولا يخشون أحدا سواه، فاستجاب الله لهم وأوحى إلى ملائكته ” أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب” وأوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ” أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين، وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم”.

