بقلم الأديب:
د كامل عبد القوى النحاس
المقال الخامس:
بعد أن بلغ النبي ﷺ سدرة المنتهى، ورأى من آيات ربه الكبرى، وثبت قلبه على التوحيد، عاد إلى الأمة بأعظم هدية: الصلاة. هذه الصلاة ليست مجرد فرض، ولا حركة جسد، ولا كلمات تُقال، بل هي صلة دائمة بين الأرض والسماء، وامتداد مباشر لمعراج النبي ﷺ الذي شهد فيه أعظم الآيات، لتتحول الرؤية إلى حياة يومية لكل مؤمن.
أولًا: فرض الصلاة… من خمسين إلى خمس
أول ما فُرض على النبي ﷺ بعد المعراج كان خمسون صلاة في اليوم والليلة، وكانت لحظة عظيمة لأنها:
أعطت قيمة العبادة عند الله،
أرست نظامًا روحيًا يوميًا،
كانت أداة لتثبيت الأمة على الطريق الحق.
ثم خُففت الصلاة إلى خمس صلوات يوميًا، وبقي الأجر كما هو خمسين، دلالة على رحمة الله وتيسيره للأمة: رفع الحمل عن الأمة بما يناسب قدرتها، ولم يخفف الأجر أو المنزلة، وأبقى الموازنة بين القدرة والجزاء. فخمس الصلوات هي امتداد المعراج اليومي لكل مؤمن، فتتحقق صلة مستمرة بالله، خمس مرات في اليوم، وتجربة روحانية دائمة.
ثانيًا: الصلاة… المعراج اليومي للأمة
إن المعراج كان لمرة واحدة للنبي ﷺ، لكن الصلاة جعلت لكل مؤمن معراجه اليومي بلا انتقال خارق، بل بقلب حاضر وخضوع كامل. في الصلاة: يقف العبد بين يدي ربه، يترك الدنيا خلفه، يخلع أثقاله، ويشهد “الله أكبر” فوق كل ما شغل قلبه. وهذه هي الهدية الكبرى للأمة: فرصة دائمة للقرب من الله، وتحقيق معنى العبودية، كما شاهد النبي ﷺ في المعراج.
ثالثًا: توزيع الصلاة على اليوم… نظام رباني
الصلاة لم تُجمع في وقت واحد، بل وُزعت لتصبح إيقاعًا يوميًا للعبادة:
الفجر: يفتتح به العبد يومه بالله،
الظهر: يضبط مساره في وسط اليوم،
العصر: يقيه من الغفلة،
المغرب: يطوي به نهاره ويختم أعماله،
العشاء: يسلم قلبه لربه قبل النوم.
كل صلاة هي تجربة روحانية صغيرة من المعراج، تصقل القلب، وتثبت الارتباط بالخالق، وتذكّر بالغاية الحقيقية للحياة.
رابعًا: خمس صلوات بخمسين أجرًا… عدل الله ورحمته
لم يُحدد الله الصلوات لمجرد العدد، بل لتربية القلب وتثبيت النفس: لمن أقامها بحقها، لمن حافظ على حضور قلبه فيها، ومن جعلها صلة لا مجرد واجب. فالأجر ليس في العدد فقط، بل في الصدق، والمداومة، والحضور، والانقياد لله، وهذا ما يجعل الصلاة هدية السماء بلا نهاية لكل مؤمن.
خامسًا: الصلاة… ترجمة الرؤية إلى حياة
رؤية النبي ﷺ من آيات ربه الكبرى كانت تكريمًا للرسول ﷺ شخصيًا، أما الصلاة فهي تكريم للأمة، ومن خلالها: يُترجم اليقين إلى عمل، يُترجم القرب إلى ممارسة، تُحول العبودية إلى حياة يومية. فالصلاة تجعل السماء قريبًا من الأرض، وتعيد للعبد شعور المعراج كل يوم، بخمس صلوات، وبأجر يفوق القدرة البشرية.
سادسًا: الصلاة… وصلة دائمة بالقلب
الصلاة ليست مجرد كلمات، بل حضور كامل للعبد بين يدي الله، تجعل قلبه:
ثابتًا على الحق،
حاضرًا بالروح والجسد،
خاضعًا لله في كل لحظة،
متذكّرًا أن القرب من الله قرب دائم لا امتلاك.
بهذا تتحقق الحكمة الكبرى: أن المعراج لا يبقى حدثًا استثنائيًا للنبي ﷺ فقط، بل هدية متجددة لكل مؤمن، يستطيع أن يختبر بها القرب من الله يوميًا.
خاتمة السلسلة
وهكذا تختتم السلسلة:
الإسراء: خطوة على الطريق بين الأرض والسماء،
المعراج: كشف من آيات الله الكبرى وتثبيت قلب النبي ﷺ،
رؤية الآيات الكبرى: حدود المعرفة والعبودية،
الصلاة: هدية السماء، مسك الخاتمة، ترجمة الرؤية إلى حياة يومية.
إنها ليست مجرد عبادة، بل تواصل يومي بين العبد وربه، رسالة لكل مؤمن أن العبودية طريقها القلب الحاضر والعمل الصالح، وأن القرب من الله ممكن لكل من أراد أن يقف بين يديه بخشوع وخضوع، تمامًا كما رأى النبي ﷺ في المعراج. فلتكن الصلاة لكل مؤمن معراجه اليومي، وهدية السماء الموثوقة، وقربًا دائمًا لا امتلاكًا، تنسج من كل يوم حياةً متصلة بالله، وتبقي القلب على صلة لا تنقطع.


