مقال

من نفحات الجمعة

من نفحات الجمعة
شرف المحترف وعزة الكادح
بقلم: د كامل عبد القوى النحاس
خطبة الجمعة: 23/1/2026
العنصر الأول: العمل عبادة وهُوية لا مجرد وسيلة
إن الشريعة الإسلامية لم تنظر إلى العمل والحرفة بوصفهما ضرورة مادية فحسب، بل جعلتهما في مقام العبادات والقربات. إن المسلم الذي يغدو في طلب حرفة يدوية هو في سبيل الله ما دام يبتغي العفاف؛ قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15]. وقد جعل النبي ﷺ اليد الكادحة في الحلال سبباً للمغفرة، فقال ﷺ: «مَنْ أَمْسَى كَالًّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ أَمْسَى مَغْفُورًا لَهُ» [رواه الطبراني]. فالتبطل ليس زُهداً، بل هو تعطيل لمراد الله في عمارة الأرض.
العنصر الثاني: الأنبياء سادة المحترفين وأئمة الصنّاع
لو كان في الحرفة منقصة، لكان الأنبياء أولى الناس بالترفع عنها، ولكنهم كانوا أئمة الناس في صياغة الحياة بأيديهم. يقول النبي ﷺ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» [رواه البخاري]. وقد أخبرنا الله عن داود واحترافه للحدادة فقال: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 10-11]. ونبي الله زكريا كان نجاراً، ونبينا محمد ﷺ رعى الغنم، فكانت الحرفة وسام شرف لصفوة الخلق.
العنصر الثالث: الحرفة أمان من الفقر وحصن من ذل السؤال
إن الحرفة في اليد هي “مالٌ لا يضيع”، وهي الصدقة التي يقي بها المرء وجهه من ذل الطلب. يقول النبي ﷺ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ نَاسًا أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» [رواه البخاري]. فالقرآن أمرنا بالانتشار في الأرض وابتغاء فضل الله عقب أقدس العبادات، فقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]. إن الشاب الذي يتقن مهنة يملك مفتاح كرامته، ولا يُقيد نفسه بانتظار عطايا لا تأتي.
العنصر الرابع: خطر التبطل وذم العجز والكسل
إن التبطل والفراغ مفسدة للدين والدنيا، وقد كان النبي ﷺ يتعوذ دبر كل صلاة من العجز والكسل، فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ». فالإسلام يذم اليد السفلى التي لا تقدم شيئاً لمجتمعها، والتبطل الاختياري الذي يُلبسه البعض ثوب الزهد هو عين الضلال؛ إذ كيف يرضى المرء أن يكون كلاً على الناس وقد آتاه الله عافية وجوارح؟ إن اليد التي لا تعمل هي يدٌ مريضة، والنفس التي لا تُنتج هي نفسٌ عاطلة عن كمال مروءتها.
العنصر الخامس: إتقان الحرفة سبيل لمحبة الله وإصلاح الأمة
إن الإسلام لا يطلب مجرد الحركة، بل يطلب “الإتقان” الذي هو ثمرة الإيمان ومراقبة الله؛ قال ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [رواه البيهقي]. إن الأمة التي تستهلك ما لا تنتج هي أمة مسلوبة الإرادة، وصاحب الحرفة المسلم هو جندي في معركة البناء؛ بإخلاصه في مهنته يحقق وعد الله: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]. فليكن إتقان الحرفة قربة نتقرب بها إلى الله، وسبباً لرفعة هذا الدين.
هل تود مني تحويل هذه العناصر إلى “نقاط مركزة” لتصميم مطوية (Brochure) توزع على الشباب لتشجيعهم على العمل المهني؟

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *