مقال

من «عيب» إلى «ماليش دعوة».. كيف انكسرت بوصلة الشارع المصري؟

بقلم/ صلاح متولي

لو عدت بالزمن عقوداً قليلة ورأيت شخصاً يرفع صوته على جاره، لكان الشارع بأكمله قد تحرك لتهدئة الأمر وحل المشكلة قبل أن تشتعل. اليوم، نمر بجانب مشاجرات دامية أو حالات تحرش علنية، ونكتفي بسحب هواتفنا لتصوير “التريند”! لم نفق في يوم ولحظة لنجد أنفسنا أمام مجتمع تتصدره أخبار التحرش والعنف والسرقة، بل كانت رحلة تسلل هادئة، تنازلنا فيها عن التفاصيل الصغيرة حتى استيقظنا على واقع يهدد أماننا اليومي.


الأزمة لم تبدأ بجرائم مروعة في الشارع، بل بدأت يوم أن ماتت كلمة «عيب» وحلت محلها عبارة «وأنا مالي؟». التدهور لم يأتِ دفعة واحدة؛ بل بدأ عندما صمتنا عن السائق الذي يسير عكس الاتجاه، والتلميذ الذي يتطاول على معلمه، والشاب الذي يضايق فتاة بكلام يغلفه باسم “المزاح”. حين أغمضنا أعيننا عن «التجاوزات الصغيرة»، أعطينا ضوءاً أخضر غير مكتوب لكل من يحمل نزعة عنف كي يتجرأ، حتى أصبحت الجريمة مجرد خطوة إضافية في طريق استباحة الشارع.
تعوّدنا على شماعات جاهزة، مثل الظروف الاقتصادية أو الهواتف الذكية، لكن الحقيقة القاسية أن الفقر لم يكن يوماً سبباً لقلة النخوة، فالأجيال السابقة عاشت أزمات أشد وحافظت على إنسانيتها. المشكلة الحقيقية هي أننا سمحنا لـ «الفردية المطلقة» أن تلتهم روح “الجدعنة”. تحول الشارع من مساحة أمان مشتركة إلى حلبة مصارعة، يتعامل فيها الفرد بمنطق الخوف، فيسبق بالهجوم كي لا يُستغل، أو يصمت عن الحق كي “يتقي الشر”.


استعادة البوصلة لن تأتي بالقوانين وحدها، ولا برقابة لا تلاحق كل زاوية. الحل يبدأ من استعادة «المناعة الأخلاقية الذاتية»؛ أن يعود للبيت والشارع دورهم، أن نرفض الخطأ الصغير قبل أن يتضخم ليصبح جريمة، وأن ندرك أن أمان أبنائنا لن يتحقق إلا إذا أعاد كل منا بناء السور الأخلافي في محيطه. فالأخلاق ليست مجرد كلام في كتب، بل هي الدرع الوحيد الذي يحمي المجتمع من أن يأكل بعضه بعضاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى