
بقلم د . هاني المصري
يشهد النظام الدولي تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الاقتصاد أو عدد الجنود، بل بامتلاك القدرة على تحليل السلوك البشري وتوجيهه. مع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي، دخل العالم عصرًا جديدًا من الصراع يُعرف بالحرب المعرفية، حيث يصبح العقل البشري ذاته ساحة اشتباك مفتوحة، ويصبح الوعي القومي أحد أهم مكونات الأمن الوطني.
لم يعد الأمر متعلقًا بفهم ما يحدث فقط، بل بالتنبؤ بما سيحدث قبل وقوعه. الخوارزميات الحديثة قادرة على تحليل ملايين التفاعلات الرقمية لاستشراف ردود الفعل على قرارات سياسية أو اقتصادية، وتقدير احتمالات الاحتجاج أو التصعيد أو حتى الانفجار الاجتماعي. في السنوات الأخيرة ظهرت مؤشرات واضحة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الحملات الانتخابية الغربية لصياغة رسائل شديدة الدقة تستهدف شرائح بعينها وتعزز الاستقطاب، كما لعبت الحملات الرقمية الذكية دورًا محوريًا في الحرب الروسية الأوكرانية من خلال صناعة السرديات والتأثير على الرأي العام داخليًا وخارجيًا. كذلك حذرت تقارير أوروبية من تدخلات رقمية خارجية تسعى لإعادة تشكيل المزاج الشعبي تجاه قضايا الهجرة والطاقة، وهو ما يؤكد أن المعركة لم تعد فقط على الأرض بل على الوعي ذاته.
الأخطر من ذلك هو ما يعرف بالحرب المعرفية، حيث لا يكون الهدف تدمير بنية تحتية أو هزيمة جيش، بل إعادة هندسة القناعات وزرع الشكوك وتقويض الثقة بالمؤسسات. في هذا النوع من الصراع يتم استهداف الهوية والانتماء، ويتم استغلال الثغرات الثقافية والنفسية لتوجيه رسائل مصممة بدقة فائقة لكل فئة اجتماعية. حتى البيانات المجهولة يمكن تحليلها لاستخلاص أنماط سلوكية تسمح بتوجيه محتوى مخصص يعيد تشكيل الإدراك تدريجيًا دون أن يشعر المتلقي بحجم التأثير الواقع عليه. وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى سلاح استراتيجي بالغ الخطورة.
بالنسبة للأمن القومي المصري والعربي، فإن هذا التحول يفرض معادلة جديدة بالكامل. المنطقة تمر بظروف إقليمية معقدة، وصراعات ممتدة، وضغوط اقتصادية عالمية، وتحولات جيوسياسية كبرى، ما يجعل الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة لمحاولات التأثير وإعادة تشكيل الوعي الجمعي. إذا كانت الحروب التقليدية تستهدف الحدود، فإن الحرب المعرفية تستهدف تماسك المجتمع ذاته. أي اختراق واسع للإدراك يمكن أن يؤدي إلى تضخيم الشائعات، وتعميق الاستقطاب، وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة، وهو ما ينعكس مباشرة على الاستقرار الوطني.
المفارقة أن الأفراد أنفسهم يمدون هذه المنظومات بالبيانات التي تُستخدم في تحليلهم. كل تفاعل رقمي، كل رأي منشور، كل سؤال يُطرح على أنظمة الذكاء الاصطناعي، يضيف طبقة جديدة من الفهم العميق لأنماط التفكير والسلوك. ومع تطور تقنيات التحليل، يصبح العقل البشري ذاته جزءًا من ساحة الصراع، بل جزءًا من ترسانة القوة الحديثة. لم تعد السيطرة تعني احتلال أرض، بل امتلاك القدرة على توجيه الإدراك وإعادة تعريف المفاهيم.
بالنسبة لمصر والعالم العربي، فإن معركة الوعي لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. حماية الهوية، وتعزيز الثقافة الرقمية، وبناء كوادر قادرة على فهم تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت خطوط دفاع متقدمة في منظومة الأمن القومي. فالدول التي تدرك طبيعة هذا التحول وتستعد له بوعي واستراتيجية، هي وحدها القادرة على حماية استقلال قرارها في عالم تُدار معاركه بالخوارزميات قبل أن تُدار بالقوة التقليدية.

