مقال

مناضل فى بلاد الغربة

مناضل فى بلاد الغربة
كتب/ علاء بدوية

وعزمت بقرار نهائي أن أسافر من دولة العراق إلى بلدي الحبيبة مصر..وذلك لما أحسست بالحنين والشوق إلى موطنى وٱهلى والأصحاب والأحباب.

.ورجعت من العراق ولم يكن معي أموال تكفي طموحي كما كنت أفكر فى ذلك..نظرا للتخبطات العملية وعدم التركيز فى عمل واحد حتى أنتج فيه ويكون لي فيه الهدف والطموح الذى يسعى إليه كل صاحب طموح..كما أنه لصغر السن فى ذلك الوقت ولم يكن فى الغربة من أرجع إليه لكى تأخذ منه النصيحة والتوجيه إن كان كبيرا وأكبر منك عمرا أو كان ذو خبرة فى حياة الغربة..

ورجعت إلى مصر ومجرد أن نزلت مطار القاهرة أحسست أنني قابلت حبيبتي التى فارقتها ولما تقابلنا ظل قلبي ينبض بنبضات الحب كحبيب عاشق ملهوف على حبيبته بالعشق والأحضان..كان عمى محمد بدويه ينتظرني خارج المطار وذلك لأنه هو الوحيد الذى كان يعيش ٱحداثي ساعة بساعة..وكان معروفا لدى صاحبه وبعض أصحابي أنه اخويا الكبير..وكنا نجاريهم على ذلك حتى استمرت الحياة وعرفوا أنه عمي اخو أبي..نزلت من الطائرة وخرجت من المطار قابلت عمي بالٱعناق وكأن روحي قد رجعت إلى جسدي عندما رأيته فكما قولت ٱنفا أنه كان بيننا إرتباط روحي وفكري..ورجعنا إلى بلدنا السرو وأن أنظر من شباك التاكسي وهو يمشي على جميع معالم بلدنا بكل دقة وتفاصيل ممكن أن تتخيلها بالرغم أنني لم أجلس فى الغربة بعيدا عنها إلا سنة ونصف.

.لكنها كانت بمثابة عشرون سنه..ووصلت إلى البيت وجلست قليلا حتى سلمت على امي التى كانت متلهفة عليا ابنها الكبير والذي تحبه وشبيها لها فى كل شيء من الشكل والمشاعر والعينين العسليتين..كانت تربطنى بها ليس إبن وأمه..إنما كانت علاقة تعلوها الحب الأمومي الذى ليس له نظير..بالرغم أنها تحملتني كثيرا لأنني كنت دائما أشكوا من ضيق المعيشة والوضع الإجتماعي الصعب..

كم تحملت فى جو الشتاء تسهر علينا ونحن نيام تضع فى كل جانب إناء حتى ينزل فيه المطر..وكم أزعجنا المطر وصحونا من عز نومنا حتى نصعد على سطح المنزل ونوزع على أماكن الماء الذى يسقط نضع أشياء تمنع تساقط الماء فى أماكن نومنا وجلوسنا..هذه أمى جبل الفولاذ الصامد بصمود العزيمة والإرادة التى لم تجد لها نظيرا ولا مثيل.

.تحملت كثيرا وذلك لأنها كانت تحب والدي وتحبنا تربطها علاقة مع أبى ليست علاقة زوج وزوجته بقدر ماهو كان بالنسبة لها جبهة الصد لأي خوف من الحياة واعطائها منه الٱمان..وكان أبي يحبها جدا بالرغم من أنه كان عصبيا جدا عليها لكنه عندما يهديء كان يندم على ماقد فعل وذلك لأنه فى ذلك الفترة كان متقلب المزاج من عدم استقراره فى شغله وعدم تحديد طموح له فى الحياة..كل الذى كان يفكر فيه هو أن يوفر لنا احتياجات اليوم والليلة..لذلك كنا نأكل اكل وشرب الملوك أزكى طعاما وشرابا..لكنه كان لا يعمل ليوم غدا..كان مذهبه المادي فى الحياة مثل جدي أبو أمي سعد حسين إصرف مافي الجيب..يٱتيك مافي الغيب.

.ذهبت إلى بيتنا وجلست حتى سلمت على كل البيت واخذني عمي محمد إلى اصحابي اسلم عليهم وذهبنا إلى منزل صاحبي محمد الجيوشي فى السوق القديم معنا و دخلنا البيت وسلمت على أمه ثم صعدت فى الدور الثانى أنا وعمي وقد فاجأناه وهو نائم..وسلمت عليه بالٱحضان وجلسنا نحكي عن العراق ومافي العراق كأنني كنت فى دولة من دول أوربا..ونزلنا إلى السوق القديم نراجع الذكريات وجلسنا على قهوة عمي كمال وطلعت العساس..ثم قمنا نمشي على نهر النيل.

.وذهبنا إلى الحقول من ناحية النشائتي المتجه إلى مدينة كفر المياسرة ثم رجعنا ومشينا إلى ناحية المشطى المتجه إلى مدينة دقهلة..وأنا أنظر إلى كل مكان أصل إليه نظرة متمعنة اتفحص فيها كل ٱثر وموضع منه..حتى جميزة الشيخ مصطفى العشري وشجر التوت بتاع عمي محمود الجبالي المتزوج من بنت اخت جدتي زينب..جدتي زينب جبل الصبر والتى ٱثرت بصبرها وصمودها في نفسي أنا شخصيا التحمل والجلد والصبر على كل صعاب الحياة..ما كانت إمرأة عادية وفقط لا بل كانت تفوق وتتعدى رجولة رجال تحسب نفسها تنتمي للرجولة فى زماننا هذا.

. كانت المرأة الحديدية..كانت لها شخصية ليس لها مثيل لا تسمع لها صوتا عاليا بقدر ما تري عينيها التى تعبر بها بالصمت ما يستتطيع أي شخص أن يعبر بغيرهما بالكلام..لقد ربت كل اولادها ولم تكتفي بذلك بل ربت الأيتام قدر الله عزوجل أن يموت كل زوج لأولادها وأولادهم فى المهد أو فى سن الصبا..تولت تربيتهم حتى أصبحوا رجالا تلفت لهم الأنظار..وجدي الدسوقي زوجها والذى كان بينه وبينها عشق لا يعرفه إلا أنا وكانت لها كلمات ونظرات له يعرف منها كيف تريد..كلما تمعنت فيهم منذ صغري كنت أجد بينهم كيميا عجيبة المشاعر والإحساس.

.تعلمت منهم الكثير ووقفت بجانب جدتي وكنت اعمل معها وكانت تحبني جدا لأنني الوحيد الذي هاودتها ووقفت معها حتى تنهض وتربينا جميعا فى شدة صعاب الحياة الإجتماعية التى كانت لها أشكال وألوان عجيبة المشهد والمنظر..كنت أحب أن انام معهم فى غرفة جدي لأنها كانت تعلق فيها صورة أبو زيد الهلالي سلامة راكب على حصانه وماسك السيف وبعض الرسومات بجواره كأنك فى معركة وأنظر لها معلقة على الجدار وجدي يحكي لنا قصة أبو زيد الهلالي سلامة وأبو القمصان والخضرة الشريفة القصة والملحمة فى السيرة الهلالية.

.ثم بعد ذلك اقتربت خدمة القوات المسلحة ودخولي الجيش..وذهبت إلى السجل المدني ومكتب التجنيد واستلمت الورقة..وبدئت رحلتي فى الجيش وكانت لها من المواقف والذكريات التى لها من الذكرى شجون وحكايات تلو الحكايات لا تنتهي..وإلى هنا يقف المقال..وإلى لقاء غدا نستكمل قصة مناضل فى بلاد الغربة..إلى اللقاء

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *