بقلمي: جمال القاضي
ليسَ كلُّ مَنْ يمتلكُ قلبًا يمتلكُ مشاعرَ حبٍّ.
نعم، كلُّ شخصٍ يحملُ بداخله عضوًا مهمًّا في حياتهِ من حيثُ الوظيفةُ الحيويةُ والمشاعرُ، ألَا وهو القلبُ والمشاعرُ الساكنةُ بداخلهِ، ويُعَدُّ هذا القلبُ هو المأوى الوحيدُ الذي يستضيفُ المشاعرَ، لكن علينا أن نفرِّقَ ونتعمَّقَ في هذه الكلمةِ التي قد يظنُّ معظمُنا أنها تعني الحبَّ فقط، لكن كلمةَ «مشاعر» إنما هي تعبيرٌ عن معنى القبولِ أو الرفضِ، وتعني أيضًا التعبيرَ عن الراحةِ النفسيةِ أو الغضبِ تجاهَ شخصٍ ما. وهذا الحبُّ إنما هو أحدُ انعكاساتِ المشاعرِ، ويبقى المسؤولُ الأساسيُّ عن استمرارِ هذه المشاعرِ هو الاهتمامُ. بمعنى: إذا كنتَ تمتلكُ مشاعرَ حبٍّ تجاهَ شخصٍ معيَّنٍ لكنها كانتْ مفتقدةً للاهتمامِ، فإن القلبَ سوف يبحثُ عن الاهتمامِ لدى شخصٍ غيرهِ. وهذا الاهتمامُ أيضًا هو العاملُ الأساسيُّ الذي يُبقي أيَّ علاقةٍ قويةً، وبدونِ الاهتمامِ قد يحدثُ أحدُ الأمرينِ؛ الأمرُ الأولُ هو تجمُّدُ العلاقةِ دونَ موتٍ لها، والأمرُ الثانيُ هو البحثُ عن غيرِها؛ لأنَّ الاهتمامَ هو الوقودُ الذي يُبقي القلبَ نابضًا بهذه المشاعرِ تجاهَ الأشخاصِ.
والسؤالُ: كيف يحدثُ الحبُّ أو الكرهُ؟
المسؤولُ عن أيِّ نوعٍ من المشاعرِ في البدايةِ ليس القلبَ، ولعلَّنا نتعجَّبُ لهذا القولِ. لكن يمكنُ أن نستعينَ لإثباتِ ذلك بأحدِ الأمثلةِ. وقبلَ الخوضِ في المثالِ التوضيحيِّ، علينا أن نعلمَ أن كلمةَ «حبٍّ» لا تعني علاقةً عاطفيةً ما بينَ رجلٍ وامرأةٍ فقط، لكنها تمتدُّ لتشملَ جميعَ العلاقاتِ، مثلَ العلاقةِ ما بينَ الأبِ والابنِ، والأمِّ والأبناءِ، وما بينَ الإخوةِ بعضِهم بعضًا، والعلاقةِ بينَ الزوجِ والزوجةِ، وكذلك بينَ الشابِّ والفتاةِ. وكما نعلمُ أن هناك هرموناتٍ تُفرزُها بعضُ الغددِ الصماءِ، وهي مسؤولةٌ عن المشاعرِ، لكن يتمُّ تحفيزُ إفرازِها عن طريقِ حواسِّ الإنسانِ.
وكيف يحدثُ ذلك؟
نعلمُ جيدًا أنَّ كلَّ عضوٍ من أعضاءِ الحواسِّ له دورٌ وظيفيٌّ معيَّنٌ، مثلُ العينِ والنظرِ، والأذنِ والسمعِ، والجلدِ والإحساسِ بالوسطِ المحيطِ، والفمِ والتذوُّقِ، والأنفِ والشمِّ. وكلُّ عضوٍ من هذه الأعضاءِ له آليةٌ معروفةٌ للجميعِ من حيثُ إنه يستقبلُ المؤثراتِ من الوسطِ المحيطِ، وبعدَ التقاطِ هذه المؤثراتِ يقومُ بإرسالِ البياناتِ على هيئةِ إشاراتٍ إلى المخِّ مباشرةً من خلالِ الجهازِ العصبيِّ. وهذا المخُّ يقومُ بترجمتِها، ثم يعيدُ إرسالَ هذه الترجمةِ على هيئةِ نسختينِ؛ الأولى تُعَدُّ كردِّ فعلٍ مباشرٍ، حيثُ يعيدُ إرسالَها لنفسِ العضوِ المستقبلِ للموقفِ من البدايةِ، أما النسخةُ الثانيةُ فيقومُ بإرسالِها إلى القلبِ ليترجمَها إلى شعورٍ ومشاعرَ من خلالِ إفرازِ الهرمونِ الخاصِّ بذلك، فتبدو الرؤيةُ المترجمةُ داخلَ القلبِ في صورةِ علاماتٍ للسعادةِ أو علاماتٍ للغضبِ، ثم يستنسخُ ما تمَّتْ ترجمتُه هو الآخرُ إلى نسخةٍ مشابهةٍ لما تمَّ الاحتفاظُ به بداخلهِ إلى جميعِ الحواسِّ وخلايا الجسدِ، ويرسلُ نسخةً مشابهةً مرةً أخرى إلى المخِّ. وتظلُّ جميعُ هذه النسخِ محفوظةً داخلَ القلبِ على هيئةِ مشاعرَ، وداخلَ الجسدِ على هيئةِ أحاسيسَ ماديةٍ، وتبقى داخلَ المخِّ في صورةِ ذكرياتٍ.
وللتوضيحِ أكثرَ لمسؤوليةِ الحواسِّ في البدايةِ عن المشاعرِ
ربما كان هناك شخصٌ أعمى، لكنه ما زال يمتلكُ حاسةَ السمعِ، والسؤالُ: كيف لهذا الشخصِ أن يحبَّ شخصًا آخرَ وينجذبَ إليه ويشعرَ بالحبِّ تجاهَه؟ وسؤالٌ آخرُ: ما العضوُ المسؤولُ عن ذلك؟ هل كان القلبُ فقط؟ وإن كان القلبُ، فماذا لو لم يسمعْ صوتَ الشخصِ؟ هل يتولدُ الحبُّ لديه لمجردِ معرفتِه أنَّ الذي بجانبهِ فتاةٌ مثلًا؟
والجوابُ: لا، لم يحدثْ ذلك. فالصوتُ الذي سمعَه هذا الشخصُ ربما كان يشبهُ في نبراتِه نبراتِ صوتِ شخصٍ آخرَ كان يعرفُه، وربما هنا قد جذبَه الأسلوبُ في ترتيبِ الكلماتِ.
وهذا الذي راحَ ينتقلُ داخلَ وسائلِ المواصلاتِ وجلسَ بجانبِ شخصٍ، وفجأةً نظرَ إليه، فوقعتْ عيناهُ على وجهِه فرآهُ مبتسمًا، أو رأى هذا الوجهَ يشبهُ وجهَ شخصٍ كان يحبُّه بالأمسِ لكنه فقدَه اليومَ ولم يعُدْ بجانبهِ، أو يشبهُ في ملامحِه وجهَ أحدِ أهلِه وأقاربِه، فانتقلتِ الترجماتُ إلى المخِّ ثم إلى القلبِ ثم إلى العقلِ، وفي الرحلةِ من هذا إلى ذاكَ راحَ القلبُ ينبضُ مرةً أخرى بنفسِ المشاعرِ.
وهل تموتُ المشاعرُ؟
نظنُّ أنَّ المشاعرَ تموتُ بالابتعادِ، لكنَّ المشاعرَ تظلُّ باقيةً، منسوخةً وصامتةً في القلبِ والمخِّ وذكرياتِه والجسدِ وحواسِّه. فهذا القلبُ يرفضُ رحيلَ المشاعرِ، لكنَّ العقلَ قد يباركُ الشبيهَ لمن كانتْ له هذه المشاعرُ، سواءٌ كانتْ مشاعرَ حبٍّ أم مشاعرَ كراهيةٍ. فربما رأيتَ شخصًا لأولِ مرةٍ، ولكن بمجردِ رؤيتِك له تحكمُ عليه مشاعرُك بأنه شخصٌ غيرُ مرغوبٍ فيه، رغم أنك لم تصادفْه سوى هذه المرةِ.
وربما رأيتَ غيرَه لأولِ مرةٍ أيضًا، فارتاحَ له قلبُك، واستدعى العقلُ من الذكرياتِ أحداثًا وقعتْ مع الشخصِ الأصلِ في العلاقةِ، فتبقى هذه المشاعرُ مع هذا الشخصِ الشبيهِ به، وكأنه جاءَ ليعيدَها إلى الحياةِ من جديدٍ بعد أن ظنَّ القلبُ والعقلُ أنها ماتتْ بداخلهِ. والمسؤولُ الأولُ عن هذا الإصرارِ على البقاءِ هو القلبُ الذي يرفضُ من البدايةِ فكرةَ موتِ المشاعرِ أو رحيلِها من القلبِ أو من ذكرياتِ العقلِ والمخِّ. لكن نسخةُ العقلِ قد تعيشُ لحظاتٍ من الجدلِ بينها وبينَ القلبِ من حيثُ القبولُ أو الرفضُ للشبيهِ، لكنها قد تميلُ وترضخُ لقرارِ القلبِ خوفًا من الضررِ الذي قد يجعلُ الجسدَ كلَّه يعيشُ لحظاتٍ من عدمِ الانسجامِ أو عدمِ الراحةِ التي تُقلقُ العقلَ والمخَّ في التفكيرِ.
