ما بين الغرور وعزة النفس مسافة لا يراها الجميع

بقلم/الكاتبة الدكتورة راندا ابو النجا
ليست كل المسافات تُقاس بالخطوات فهناك مسافةٌ خفية تفصل بين الغرور وعزة النفس لا تدركها العيون المتعجلة بل يحتاج إكتشافها إلى قلبٍ يعرف الإنصاف وعقل يؤمن أن الإنسان أعمق من مظهره، وأصدق من الانطباع الأول
نحن نعيش في زمنٍ أصبحت فيه الأحكام تُولد من نظرة وتُصدر من لقاء عابر وتُثبتها الألسنة وكأنها حقائق لا تقبل النقاش
يكفي أن تكون إمرأة قليلة الكلام، هادئة الحضور تعرف متى تتحدث ومتى تصمت وتؤمن أن الإحترام يبدأ من رسم الحدود حتى تُتهم بأنها مغرورة
وكأن المجتمع إعتاد أن يخلط بين الوقار والتكبر، وبين عزة النفس والاستعلاء، وبين الصمت والازدراء
لكن الحقيقة أن أكثر الناس إحترامًا لأنفسهم هم أقلهم حاجة لإثبات قيمتهم أمام الآخرين
فالإنسان الذي يعرف قدر نفسه لا يرفعها فوق الناس، ولا يسمح لأحد أن ينتقص منه
ليست كل إمرأة تضع حدودًا متكبرة، بل ربما تعلمت أن الحدود تحفظ القلوب من الخذلان وتحفظ الكرامة من الابتذال
ليس كل من أغلق بابه يكره الزائرين فقد يكون تعب من ترميم ما كسره الداخلون فبعض الحدود لا تُبنى تكبرًإ بل تُشيَّد بعد أن دفعت الروح ثمن انكساراتها
في العمل تحترم مهنتها فلا تجعل العلاقات تتجاوز إطارها المهنى وفي الحياة تؤمن أن القرب الحقيقي لا يُقاس بكثرة الكلمات بل بصدق المواقف
فيصفها البعض بالغرور
بينما الذين عرفوها حقًا لم يجدوا فيها إلا قلبًا نقيًا ويدًا تمتد بالعون وروحًا تحتضن الجميع بصمت
فاالطيبة ليست ضجيجًا، والحنان لا يحتاج إلى إعلان
هناك قلوب تمنح الحب دون أن تتحدث عنه وتساند الآخرين دون أن تنتظر شكرًا
وتبتسم وهي تخفي بين أضلاعها حروبًا لا يعلمها إلا الله.
الناس لا ترى إلا الواجهة؛ بيتٌ أنيق، وثيابٌ مرتبة، وابتسامةٌ لا تغادر الوجه. فيحسبون أن النعيم يسكن كل زاوية من حياتها، بينما الله وحده يعلم كم أخفت تلك الجدران من تنهيدات، وكم ابتلعت تلك الابتسامة من دموع
كم هو قاسٍ أن يحكم الناس على إنسان من عنوان حياته، دون أن يقرأوا صفحاتها
فليس كل من يعيش في مكان جميل يعيش حياة جميلة.
وليس كل من يبتسم سعيدًا
وليس كل من يلتزم الصمت متكبرًا
وربما كانت أكثر الأرواح ألمًا هي تلك التي أتقنت فن الابتسام حتى لا تُثقل أحدًا بأوجاعها
كم من إمرأة حملت فوق كتفيها مسؤوليات لو وُزعت على الجبال لأثقلتها ومع ذلك خرجت إلى الناس بكامل أناقتها لا حبًا في المظاهر بل إحترامًا لنفسها وإيمانًا بأن الإنكسار لا ينبغي أن يُعرض على الطرقا.
إن القوة الحقيقية ليست أن تخلو الحياة من الألم بل أن تستمر رغم الألم دون أن تفقد إنسانيتك
ولهذا فإن الذين إقتربوا منها حقًا لم يتحدثوا عن غرورها، بل عن رقي أخلاقها، وصدقها ونبل قلبها وعطائها الذي لا ينتظر مقابلًا
أما الذين إكتفوا بالنظر من بعيد فقد صنعوا عنها صورة لا تشبهها ثم صدقوا الصورة وتركوا الحقيقة
وهكذا يفعل الإنطباع الأول حين يغيب عنه العدل
إننا كثيرًا ما نحاكم الوجوه، بينما الحقيقة تسكن القلوب
وننسى أن الله وحده يعلم ما تخفي الصدور وما أثقل الأرواح، وما أرهق القلوب
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
ما أحوجنا إلى أن نتأنى قبل أن نصدر أحكامنا فربما كلمةٍ تصف بها إنسانًا ظلمًا تترك في قلبه جرحًا لا يلتئم
وقبل أن تصف أحدًا بالغرور، اسأل نفسك
هل رأيت قلبه أم رأيت ملامحه؟
فالعين تُبصر الوجوه
أما البصيرة فهي وحدها التي ترى الأرواح
وما أكثر الأرواح التي ارتدت ثوب الوقار فحسبها الناس كبرياء، بينما كانت تخفي خلف صمتها قلبًا لو عرفوه. لأحبوه.
ولعل أعظم درسٍ تمنحنا إياه الحياة، أن الإنسان لا يُعرف من هندامٍ أنيق ولا من بيتٍ فخم، ولا من ابتسامةٍ هادئة، بل يُعرف حين تقترب منه بما يكفي لتكتشف أن وراء كل وجهٍ حكاية، ووراء كل صمتٍ وجعًا، ووراء كل روحٍ حدودًا لم تصنعها قسوة القلببل صنعتها قسوة الحياة
همسة النفس
وقبل أن نطوي صفحات هذا المقال، لعلنا نتذكر أن هذه الكلمات بدأت حكايةً عن امرأةٍ أساء البعض فهمها، لكنها ما لبثت أن تجاوزت حدود الحكاية، لتصبح رسالةً لكل إنسان حمل يومًا عبء الأحكام المتعجلة ولكل
قلبٍ إختار الوقار فإتهموه بالغرور
ولكل روحٍ حافظت على كرامتها فظنها البعض استعلاءً
فما أكثر الوجوه التي ظلمناها بانطباعٍ عابر وما أكثر القلوب التي لم ننصفها لأننا اكتفينا بما رأته أعيننا وغفلنا عما كانت تخفيه أرواحها
فليس أعظم ما يربحه الإنسان أن يُحسن الجميع فهمه، بل أن يبقى وفيًّا لمبادئه، نقيَّ القلب، كريمَ الخلق، ثابتًا على الحق، مهما اختلفت حوله الظنون
ولعل القيمة الحقيقية لهذا المقال ليست في الدفاع عن شخصٍ بعينة وإنما في الدعوة إلى إنصاف الإنسان والتريث قبل إصدار الأحكام والإيمان بأن وراء كل وجهٍ قصة ووراء كل صمتٍ وجعًا، ووراء كل وقارٍ قلبًا قد يكون أكثر رقةً مما نتصور
وربما سيغلق أحدهم هذا المقال وهو يظن أنه كان يقرأ عن امرأةٍ وُصفت بالغرور
لكنه في الحقيقة كان يقرأ عن نفسه، أو عن أمه، أو عن أخته، أو عن صديقٍ إختار أن يحمي قلبه بدلًا من أن يبرر للناس صمته
فالإنسان لا تؤذيه الأحكام بقدر ما يؤذيه أن يُختزل في انطباعٍ عابر وأن تُمحى سنواتٌ من الأخلاق والمواقف النبيلة بكلمةٍ قيلت على عجل
ولعلنا لو أبطأنا قليلًا قبل أن نحكم، لاكتشفنا أن كثيرًا ممن حسبناهم متكبرين، كانوا فقط أكثر الناس تعبًا، وأكثرهم حرصًا على ألا يُثقلوا الآخرين بأوجاعهم.
فلا تُصدِّق كل ما تراه عيناك، ولا تُسلِّم قلبك لأول انطباع، فالحقيقة لا تسكن الوجوه بل تسكن الأرواح
ولذلك لسنا مطالبين بأن يصدق الناس حقيقتنا، ولا بأن يصفقوا لاختياراتنا، ولا أن نشرح لهم في كل مرة أسباب صمتنا أو حدودنا
يكفينا أن نعيش بما يرضي الله وضمائرنا وأن نحافظ على نقاء قلوبنا، حتى وإن أخطأ الآخرون في قراءتنا
فالحقيقة لا تتغير لأن أحدًا أنكرها، والوقار لا يصبح غرورًا لأن البعض عجز عن فهمه، وعزة النفس ليست تكبرًا، بل هي كرامةٌ تعلّمت من الحياة ألا تنحني إلا لخالقها
دع الناس يقولون ما يشاؤون فليس كل حكمٍ حقيقة وليس كل ظنٍّ صوابًا
فالشمس لا تفقد نورها لأن غيمةً حجبتها عن بعض العيون
فإذا أغلق القارئ هذه الصفحة، وأعاد النظر في حكمٍ أصدره يومًا على أحد أو أنصف إنسانًا كان قد أساء فهمه فربما تكون هذه الكلمات قد أدت رسالتها… لأن أجمل ما يتركه الأدب في النفس ليس الإعجاب بل أثرًا يبقى ويوقظ الضمير ويدعو إلى مراجعة الذات وإنصاف الآخرين
سلسلةالنفس_والإنسان | قضايا المجتمع



