عبده الشربيني حمام
مع دخول الحرب أسبوعها الثاني، بات لبنان يواجه أزمة إنسانية تتجاوز قدرة الدولة ومؤسساتها والمنظمات العاملة فيه على الاستيعاب، في ظل استمرار التصعيد بين إسرائيل وحزب الله.
وتجاوز عدد المسجلين على منصة النزوح الحكومية 667 ألف شخص، بزيادة تفوق 100 ألف خلال يوم واحد فقط، فيما قدّرت لجنة الإنقاذ الدولية العدد الإجمالي بأكثر من 700 ألف نازح، بينهم نحو 200 ألف طفل، مع توقعات بارتفاع الأعداد في غياب أي مؤشر إلى قرب توقف التصعيد.
ورغم فتح السلطات اللبنانية أكثر من 500 مركز إيواء، معظمها في مدارس حكومية، فإن البنية التحتية بلغت حدودها القصوى.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، كان نحو 120 ألف نازح يحتمون في الملاجئ الجماعية الرسمية خلال الأسبوع الأول من التصعيد، فيما يُرجّح أن تكون الأعداد الفعلية أعلى بكثير، إذ لجأ كثيرون إلى منازل أقاربهم أو باتوا في سياراتهم أو في العراء.
ونقلت منظمة أطباء بلا حدود أن بعض النازحين عادوا إلى مناطقهم رغم استمرار القصف، بسبب عدم تمكنهم من العثور على مكان داخل أي مركز إيواء.
وأشار تقرير “أوتشا” إلى أن الملاجئ تعاني من اكتظاظ شديد وتفتقر إلى الحد الأدنى من الخصوصية والخدمات الصحية والصرف الصحي، مع مخاطر متزايدة على النساء والفتيات تشمل التحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال.
كما أظهرت المعطيات أن أكثر من 4 آلاف أسرة تعيلها نساء، وأكثر من 1600 أسرة يرأسها شخص من ذوي الإعاقة، وأكثر من 5200 أسرة يرأسها مسنون، وجميعها تعيش أوضاعًا شديدة الهشاشة.
ويعاني لبنان أصلًا من انهيار مالي يعد من الأسوأ في تاريخه الحديث، فيما تشير تقارير أممية إلى أن 70 في المئة من السكان كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية حتى قبل هذا التصعيد.
كما أن خطة الاستجابة الإنسانية الأممية لعام 2026 لم تُموّل سوى بنسبة 14 في المئة فقط، بحسب أطباء بلا حدود، ما يعني أن المنظومة الإغاثية تعمل بموارد محدودة في مواجهة أزمة تتسارع وتيرتها.
وقالت سمر الياسر، مديرة منظمة “أنيرا” في لبنان والأردن: “خلال أقل من 24 ساعة، أُجبر مئات الآلاف على مغادرة منازلهم. العائلات تصل إلى الملاجئ بلا شيء تقريبًا”.
من جهته، وصف جيريمي ريستورد، رئيس برامج أطباء بلا حدود في لبنان، الوضع بأنه طارئ، مشيرًا إلى أن عشرات الآلاف بحاجة ماسة إلى الحماية والمياه والمواد الإغاثية الأساسية والرعاية الصحية، وداعيًا إلى تعبئة عاجلة لتمويل طوارئ مرن يسمح بتوسيع الاستجابة.
وبين الأرقام والشهادات، تتكشف ملامح أزمة إنسانية متفاقمة. فقد روت أم نازحة للجنة الإنقاذ الدولية أنها تكافح لتأمين الحليب لرضيعتها، وتحاول بكل ما تستطيع إبقاءها دافئة وآمنة، متسائلة ما إذا كانت الكلفة الإنسانية لهذه الحرب قد وُضعت أصلًا في الحسبان، فيما يُدفَع اللبنانيون قسرًا إلى تحمل تبعاتها.
كما وصف محمد الشيبة، وهو أب سوري نازح في الستينات من عمره، رحلة استمرت ثماني ساعات في حافلة مكتظة من الجنوب إلى صيدا، ليكتشف أن الملاجئ ممتلئة، وأنه بات ينفق آخر ما لديه على الماء والطعام، وهي نفقات قال إنها لن تكفي لأكثر من يومين.
وفي أحد ملاجئ بيروت، روت امرأة في التسعينات من عمرها أنها فقدت 11 فردًا من عائلتها في هجمات عام 2024، قبل أن تجد نفسها نازحة مرة أخرى اليوم.
وقال رئيس الوزراء نواف سلام إن “تبعات هذا النزوح، على المستويين الإنساني والسياسي، قد تكون غير مسبوقة”، مضيفًا أن “لبنان جُرّ إلى حرب مدمرة لم يسعَ إليها ولم يخترها”.
وفي ظل غياب أفق سياسي واضح لوقف الحرب، واستمرار الضغط على مراكز الإيواء والمنظمات الإنسانية، تتجه الأزمة إلى مزيد من التفاقم، فيما يواجه مئات الآلاف من النازحين أوضاعًا معيشية قاسية بين ملاجئ مكتظة وخيارات محدودة للبقاء.


