
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبدالله ورسوله أما بعد لقد حذرنا الإسلام من السير وراء مشايخ أهل الضلال والخرافة، أو وراء غيرهم من أصحاب البدع والانحراف والضلال، فكم يظن أولئك أنهم يحسنون صنعا؟ ولنأخذ مثالا من السيرة يجلي لنا هذه الصورة تجلية واضحة، فحين نقض بنو قريظة العهد في غزوة الأحزاب، سار إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الله سبحانه وتعالى حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه فحكم عليهم سعد رضي الله عنه أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم، فكانوا يكشفون عن عوراتهم فمن وجدوه قد أنبت قتلوه.
فهل قتل ذاك الشاب الذي لايزال في العقد الثاني من عمره ظلما؟ كلا لم يقتل ظلما وقد شهد عليه الصلاة والسلام على هذا الحكم بأنه حكم الله من فوق سبع سماوات، إن هذا الشاب ولد في بيئة تربيه على الكفر والضلال، أبوه يهودي وأمه يهودية، وسائر أقاربه وجيرانه كذلك، ومع ذلك فهو يتحمل المسؤولية عن نفسه، كان عليه أن يبحث عن طريق الهداية والنجاة، وعن طريق الحق والخير، وما كان ربك ليظلم أحدا سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين، فإذا كان هذا الشاب الذي عاش في هذا المجتمع الغارق في الإنحراف والغواية تمارس تجاهه كل وسائل التضليل، وتطمس عليه الحقائق وتصور له بغير صورها، ومع ذلك لم يكن معذورا فغيره من باب أولى، وإن من لوازم المسؤولية الفردية أن كل إنسان سوف يحاسب يوم القيامة حسابا فرديا.
حيث قال عز وجل ” واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون” وفي آية أخرى يقول عز وجل ” إن كل من في السموات والأرض إلا ءاتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا” فكل إنسان سيقدم على الله فردا وحيدا، وسيحاسب محاسبة فردية، فلابد أن يتحمل مسؤولية نفسه في تربية نفسه وتزكيتها وقيادتها إلى طريق الخير والإستقامة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر تلقاء وجهه فيرى النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ” فلابد أن يصير المسلم إلى هذا الموقف وهو إما إلى إحدى حالين.
إما أن يكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث النجوى ” أما المؤمن فيدنيه ربه فيضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول أتذكر ذنب كذا وكذا؟ حتى إذا ظن أنه قد هلك قال أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، وأما الفاجر فينادى بذنوبه على رؤوس الخلائق” وإن الإنسان أعلم بمداخل النفس، وأعلم بجوانب الضعف والقصور فها، ومن هنا فهو الأقدر على التعامل مع نفسه، إنه يتصنع أمام الناس ويتظاهر أمامهم بالخير، أو يدعوه لذلك الحياء والمجاملة، أما ما في نفسه فهو أعلم به من سائر البشر، حينئذ فهو أقدر من غيره على علاج جوانب القصور في نفسه، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وأجارني وإياكم من خزيه وعذابه الأليم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

