بقلم: مستشار محمود السنكري
ليس القلب مجرد عضو يضخ الدم في الجسد بل هو كيان حي ينبض بالحياة ويشعر بكل ما حوله تتقلب داخله الفصول كما تتغير الأحوال دون استئذان فهو لا يفكر كما يفكر العقل ولا يخطط كما يخطط المنطق بل يشعر وفي شعوره يعيد ترتيب العالم كله وفق ميزانه الخاص فقد يرى العقل طريقًا مستقيمًا واضحًا بينما يختار القلب دربًا متعرجًا لا جهل فيه بل صدق مع ضعفه وجرأة في انكساره وحين يحب أو يحن أو يخطئ لا يهوى عبثًا بل يكون سقوطه غالبًا محاولة للنجاة وتعلقه بحثًا عن معنى أعمق للحياة لا عن شخص بعينه.
يتقن القلب التمثيل ببراعة لافتة فيبتسم وهو ينزف داخليًا ويصمت بينما يصرخ في أعماقه وليس ذلك نفاقًا بقدر ما هو محاولة أخيرة للحفاظ على ما تبقى من كرامته وحين يُخذل لا ينكسر دفعة واحدة بل يتشقق تدريجيًا ثم يبرد ثم يتعلم أن يحب بحذر ويثق ببطء ويمنح مشاعره كمن يسلم كنزًا ثمينًا وهو يعلم أن السرقة ممكنة ومع ذلك يظل القلب غير بريء تمامًا إذ كثيرًا ما يصنع أوهامه بيديه ويزين وجوه الآخرين بما يشتهي أن يراه فيهم ثم يتألم حين تسقط الأقنعة.
يعرف القلب طريق النجاة لكنه أحيانًا يختار الألم لأنه اعتاده حتى صار جزءًا من تعريفه لذاته وهنا تتجلى المفارقة الكبرى فالإنسان قد يخشى الشفاء لأنه يحرره من أعذاره القديمة ويجبره على مواجهة الحقيقة ومن تأمل القلوب أدرك أن أقسى أنواع الوحدة ليست في غياب الآخرين بل في حضورهم بلا أثر حين تمتلئ الأمكنة بالوجوه ويبقى القلب وحيدًا لا يعترف إلا بظل غائب أو حلم لم يكتمل.
وفي هذه الوحدة القاسية يكتشف القلب أن ما يحتاجه حقًا ليس الكثير بل صدقًا بسيطًا ونظرة بلا حساب وصوتًا لا يتخفى خلف أقنعة المجاملة غير أن العالم بكل ما فيه من زيف اجتماعي لا يمنح القلوب هذا الترف بسهولة فيُجبرها على إخفاء أوجاعها والابتسام بينما تنزف بصمت ومع ذلك لا يموت القلب بل يزداد وعيًا بنفسه وأكثر حذرًا في منح مشاعره.
وفي نهاية الرحلة يكتشف الإنسان أن القلب لم يكن عبئًا عليه بل كان بوصلته السرية فكل ألم مر به كان رسالة وكل خيبة درسًا وكل حب لم يكتمل خطوة نحو فهم أعمق للذات فالقلب بكل أهوائه وأحواله ليس ضعف الإنسان بل حقيقته الأصدق والمرآة التي تعكس نفسه بلا تزييف والمرآة مهما كانت قاسية تظل أرحم من العيش داخل وهم جميل.
أخطر ما في القلب أنه يحسن التمثيل إلى حد الإتقان فيبتسم وهو ينزف ويصمت وهو يصرخ ويمنح الطمأنينة بينما هو في أمسّ الحاجة إليها وليس ذلك نفاقًا بل محاولة يائسة للحفاظ على ما تبقى من كرامته وهو يدرك أن أعظم المعارك لا تُخاض أمام الآخرين بل في الداخل وأن أكثر الناس قوة هم أولئك الذين نجوا من قلوبهم دون أن يقتلوها.
غير أن الحقيقة الأكثر قسوة أن القلب كثيرًا ما يتورط في صناعة أوهامه ثم يبكي حين تسقط يبني مدنًا من التوقعات ويزين وجوه الآخرين بما يشتهي أن يراه لا بما هم عليه حقًا ويتعلق بما لا يشبهه ويقاتل من أجل من لا يرى فيه سوى محطة عابرة ثم يعود محمّلًا بخسائر لا يعترف بها إلا في ليالي الصمت الطويلة.
القلب عنيد بطبعه يعرف طريق النجاة لكنه أحيانًا يختار دروب الهلاك لأنه اعتاد الألم حتى صار جزءًا من هويته وهنا تتجلى المفارقة الوجودية الكبرى أن الإنسان قد يخشى الشفاء لأنه يفرض عليه أن يعيش بلا أعذار ومن تأمل أحوال القلوب أدرك أن أقسى أنواع الوحدة ليست في غياب الآخرين بل في حضورهم بلا أثر حين تجلس وسط الضجيج وتشعر أن داخلك صحراء لا يسكنها أحد.
القلب حين يرهق لا يطلب الكثير بل يسعى لصدق بسيط ونظرة لا تحمل حسابات وصوت لا يتخفى خلف المجاملات ولذلك فإن أنبل ما قد يبلغه الإنسان ليس أن يمتلك قلبًا لا ينكسر بل أن يمتلك قلبًا ينكسر ثم يظل قادرًا على الإحساس فالقلوب التي تموت لا تنزف لكنها أيضًا لا تحيا.
وفي الختام يكتشف الإنسان أن القلب بكل أهوائه وأحواله لم يكن عدوًا له بل مرآته الأكثر صدقًا والمرآة مهما كانت موجعة تظل أرحم من العيش داخل وهم جميل.


