مقال

لعنة كاساندرا: ضريبة الرؤية في زمن “العمى الجماعي”


بقلم د.ذكاء رشيد

​مقدمة

هل سبق وأن رأيت الشقوق في الجدار قبل أن ينهار، فاتهموك بالحقد بدلاً من شكرك على التحذير؟ إنها لعنة كاساندرا الأسطورة اليونانية ؛ ضريبة البصيرة في عالم يقدس الكذب الجميل ويخشى الحقيقة البشعة. هذا المقال مهدى لأولئك الذين يمتلكون رادارات بشرية تلتقط زيف الابتسامات، وكيف يتحول ذكاؤهم الفطري إلى جريمة إفساد للحفلة.

​في المسافة الفاصلة بين الحدس اليقيني والإنكار الجماعي، تولد غربة من نوع فريد؛ إنها غربة أولئك الذين يمتلكون بصيرة حادة ترى الشقوق في الجدار قبل أن ينهار، ويشمون رائحة الحريق قبل اندلاع أول شرارة. هؤلاء “المستبصرون”، الذين كان يُفترض أن يُتخذوا مرشدين للنجاة، يجدون أنفسهم بدلاً من ذلك أمام مقصلة الاتهام، وتُلصق بهم التهمة الجاهزة والمعلبة: “أنت حاقد.

​رادارات الحقيقة وسط ضجيج التملق

​نحن لا نتحدث هنا عن “تنجيم” أو قراءة فنجان، بل عن ذكاء عاطفي وتحليلي فائق الحساسية. هناك فئة من البشر تمتلك خوارزمية ذهنية تلتقط تزييف الابتسامات، وتناقض نبرات الصوت، وفجوات السلوك التي يغطيها الآخرون بطلاء المجاملة. هؤلاء هم رادارات الحقيقة الذين يقرأون الخطر في عيون الأشخاص المريحين جداً، ويشعرون بانقباض القلب تجاه من يصفق له الجميع.

​سيكولوجية قتل الرسول

​لماذا يسخرون منك؟ ولماذا ينعتونك بالحقد؟

الجواب لا يكمن فيك، بل في عجزهم. إن تحذيرك الصادق يمثل تهديداً وجودياً لاستقرار عالمهم الوهمي. عندما تخبر شخصاً بأن من يثق به هو ثعلب في ثياب حمل، فأنت تضعه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما أن يصدقك ويعترف بفشل حدسه (وهو أمر مؤلم للكبرياء)، أو أن يتهمك أنت بالسوء ليحافظ على صورة “المثالي” التي رسمها للآخر.

​إن تهمة الحقد هنا هي سلاح دفاعي؛ فهي تعفي المتلقي من عناء التفكير، وتحولك من ناصح أمين إلى عدو متربص. إنها عملية اغتيال معنوي تهدف لإسكات صوت الحقيقة الذي يفسد عليهم لذة الخداع المريح.

​المفارقة المأساوية: الندم المتأخر

​التاريخ الإنساني، والقصص العائلية، ودهاليز المكاتب، تضج بقصص أولئك الذين سُخر منهم حين حذروا، ثم جاءهم الجميع منكسي الرؤوس بعد وقوع الكارثة قائلين: ليتنا سمعنا منك.

​لكن المفارقة أن هؤلاء المحذرين لا يشعرون بنشوة الانتصار، بل بمرارة الخيبة؛ لأنهم رأوا الهاوية وحاولوا منع أحبائهم من السقوط، فدُفعوا هم إليها بتهمة سوء الظن.

​ضريبة أن تكون “مستيقظاً”

​أن تكون صاحب بصيرة يعني أن تعيش لعنة كاساندرا (تلك الشخصية الأسطورية التي كانت تتنبأ بالحقائق ولا يصدقها أحد). إنها ضريبة باهظة تُدفع من هدوء الأعصاب وسلامة العلاقات. فالمجتمع يميل بطبعه لتصديق الكذب الجميل ويكره الحقيقة البشعة، ومن يجرؤ على كشف القناع قبل أوانه، يُعتبر مفسداً للحفلة.

​كلمة أخيرة لكل صاحب بصيرة:

إن رؤيتك للخطر ليست مرضاً، ونعتك بالحاقد ليس حكماً عادلاً. أنت لست مطالباً بحماية من يرفض الحماية، ولا بإقناع من اختار العمى. استمر في الوثوق ببوصلتك الداخلية؛ فأن تكون وحيداً مع الحقيقة، خيرٌ من أن تكون وسط قطيع يسير نحو الهاوية وهو يبتسم.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *