كفارة الجماع فى نهار رمضان
بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء في فتاوي الصيام أن كفارة الجماع فى نهار رمضان من أغلظ الكفارات وهى تكون بعتق رقبة، فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، فإطعام ستين مسكينا، أما إن كان الصيام نافلةً وأفطر المكلف بالجماع، فلا يترتب عليه شيء، وقد بيّن أهل العلم حكم من جامع زوجته في نهار رمضان ناسيا فقالوا بعدم بطلان صيامه قياسا على حكم من أَكل أو شرب ناسيا، ورفع المؤاخذة عنه، وإن كان هذا مستبعد الوقوع في صيام الفريضة، خصوصا أنه فعل مشترك بين الزوجين، وأما عن حكم التقبيل للصائم، فإن التقبيل الذى يفطر الصائم بسببه هو ما نتج عنه إنزال، وهذا بإجماع أهل العلم، أما إن لم ينتج عن التقبيل إنزال فيعتمد الحكم على طبيعة الصائم نفسه، فإن كانت القبلة تؤثر فيه، وتحرك شهوته، فحكمها الكراهة، إلا أنها لا تعد مبطلة للصيام.
وقد صح عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، أنها قالت ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه أملككم لإربه” أما إذا كانت القبلة لا تؤثر في الصائم، ولا تحرك شهوته، فحكمها الإباحة، إلا أن الأَولى تركها استدلالا بما رُوى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال ” هششت فقبلت وأنا صائم” فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، فقال صلى الله عليه وسلم ” أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت لا بأس، قال ” فمه” وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن علة الحكم مرجعها إلى تحريك الشهوة أو الإنزال، وتنتقل بين الكراهة والجواز تبعا لذلك، ولا فرق في الحكم بين الشاب وكبير السن، بينما ذهب المالكية إلى كراهة التقبيل للصائم مطلقا، وتجدر الإشارة إلى أن أهل العلم اختلفوا فى حكم نزول المذى المصاحب للتقبيل في نهار رمضان.
فقال كل من الإمام أحمد، والإمام مالك رحمهما الله بأنه مُبطل للصيام، وقال الإمام الشافعى وأبو حنيفة بأنه غير مُبطل للصيام، وتأكيدا على ما سبق فقد استدل أهل العلم بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال ” أن رجل سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، وآتاه آخر فسأله فنهاه فإذا الذى رخص له شيخ والذى نهاه شاب” ولا يخفى أن المقصود بالمباشرة الواردة فى الحديث لا يتضمن الجماع، وإنما يقصد بها الملامسة، وما فى حكمها كالتقبيل، وبيّن أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرخص للشاب لأنه رأى أن شهوته أشد من الشيخ الكبير، مما يجعله أكثر عُرضة لما قد يفسد صيامه، وأما عن الأحكام المتعلقة بنزول المنى للصائم، فإنه يعرف المنى بأنه سائل ثخين لونه أبيض مائل للصفرة، رائحته كرائحة طلع النخيل أو العجين، ويخرج دفقا عند اشتداد الشهوة.
ويعقب نزوله فتور فى الجسم، والمنى طاهر، إلا أنه يوجب الغسل، أما المذى فهو سائل لزج شفاف اللون، يخرج عند الشهوة من غير تدفق، والمذى نجس، إلا أنه لا يوجب الغسل، بل الوضوء، ومن الجدير بالذكر أن حكم نزول المنى يختلف بحسب الوسيلة التى نزل بها فنزوله بسبب التقبيل، أو الملامسة بين الرجل وزوجته، أو الاستمناء يفسد الصيام، ويوجب القضاء باتفاق المذاهب الأربعة، إلا أنه لا تترتب على ذلك كفّارة لأن حكم الكفارة ورد فى الجماع دون غيره، أما فى حال نزول المنى بمجرد التفكير من غير لمس، أو نظر، أو استمناء، أو فى حال نام الصائم فاستحلم، وأنزل المنى، فلا يفسد صيامه، وذلك بإجماع أهل العلم لأن الأمر خارج عن إرادته، وبعد بيان حكم نزول المنى للصائم، يجدر بيان معنى الاستمناء، وحكمه إذ يعرف الاستمناء لغة بأنه طلب خروج المني.
واصطلاحا بأنه إنزال المني دون الجماع، كاستعمال اليد، وغير ذلك من الوسائل، والاستمناء محرم لقول الله سبحانه وتعالى ” والذين هم لفروجوهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون” وفى الآية دليل على تحريم الاستمتاع بغير الزوجة، وقد ذهب كل من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وعامة الحنفية إلى أن الاستمناء باليد يبطل الصيام، وخالفهم أبو القاسم من الحنفية إذ قال بأن الإستمناء لا يبطل الصيام لأنه مختلف كليا عن الجماع، أما الإستمناء بالنظر سواء بالتكرار، أم لا، فقد ذهب كل من المالكية، والحنابلة إلى أنه مبطل للصيام، وخالفهم الحنفية، والشافعية فى المعتمد لديهم فقالوا إنه لا يبطل الصيام مطلقا، ولا تجب الكفارة فى الحالة السابقة إلا عند المالكية الذين قالوا بوجوبها قطعا إن تكرر النظر، وكان الإنزال عادة.


