بقلم / محمـــد الدكـــروري
قيل عن غزوة بدر أنه قبل وصول قريش إلى بدر أنها بعثت رجل يسمى عمير بن وهب الجمحي، للتعرف على مدى قوة جيش المدينة، فدار عمير بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلونى حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد، فضرب في الوادى حتى أبعد، فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال ما وجدت شيئا، ولكنى قد رأيت يا معشر قريشٍ البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم، فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم، ولكن أبا جهل رفض العودة إلى مكة بدون قتال وأصر على المضى لقتال المسلمين، ولما وصل جيش مكة إلى بدر دب فيهم الخلاف وتزعزعت صفوفهم الداخلية، فعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال.
لما نزل المسلمون وأقبل المشركون، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى عتبة بن ربيعة وهو على جمل أحمر، فقال إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا، وكان عتبة يقول يا قوم أطيعونى في هؤلاء القوم فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه، فاجعلوا حقها برأسى وارجعوا، فقال أبو جهل انتفخ والله سحره، أى بمعنى جبن، حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إنما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكلة جزور لو قد التقينا، فقال عتبة “ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إنى لأرى قوما يضربونكم ضربا، أما ترون كأن رؤوسهم الأفاعى وكأن وجههم السيوف” واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة.
اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم، فنزلت في ذلك الآية ” إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين” ولقد بدأت المعركة في غزوة بدر الكبري، بخروج رجل من جيش قريش هو الأسود بن عبد الأسد المخزومى قائلا أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن تبر يمينه، ولكن حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض، وردّا على ذلك، خرج من جيش قريش ثلاثة رجال هم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة.
وطلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، وهم عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء وعبد الله بن رواحة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أرجعهم لأنه أحب أن يبارزهم بعض أهله وذوى قرباه، وقيل أن رجال قريش هم من رفضوا مبارزة هؤلاء الأنصار، فقالوا لهم من أنتم؟ قالوا رهط من الأنصار، قالوا أكفاء كرام، ما لنا بكم حاجة، وإنما نريد بنى عمنا، ثم نادى مناديهم يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ” قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا على” وبارز حمزة شيبة فقتله، وبارز علي الوليد وقتله، وبارز عبيدة بن الحارث عتبة فضرب كل واحد منهما الآخر بضربة موجعة، فكرَّ حمزة وعلي على عتبة فقتلاه، وحملا عبيدة وأتيا به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن ما لبث أن توفى متأثرا من جراحته.
وقد قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم “أشهد أنك شهيد” وفى هؤلاء الستة نزلت الآيات من سورة الحج، ولما شاهد جيش قريش قتل الثلاثة الذين خرجوا للمبارزة غضبوا وهجموا على المسلمين هجوما عاما، فصمد وثبت له المسلمون، وهم واقفون موقف الدفاع، ويرمونهم بالنبل كما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وكان شعار المسلمين هو أحد أحد، ثم أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجوم قائلا ” شدوا” وواعدا من يقتل صابرا محتسبا بأن له الجنة.


