كتب المحلل السياسى محمد محسن
قرار الرئيس دونالد ترامب شن ضربات أميركية منسقة على إيران — إلى جانب إسرائيل — سيترك بصمته على الشرق الأوسط لسنوات مقبلة.
استهدفت الضربات مناطق قريبة من مواقع حكومية وعسكرية رئيسية في طهران، بما في ذلك محيط مكاتب المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. وردّت إيران على الفور بهجمات انتقامية ضد إسرائيل وحلفاء آخرين للولايات المتحدة في المنطقة.
أعلن ترامب أن الولايات المتحدة بدأت «عمليات قتالية كبرى»، ودعا إلى تغيير النظام، مخاطبًا الإيرانيين بالقول: «عندما ننتهي، تولّوا أنتم حكم بلادكم».
السؤال الآن لم يعد ما إذا كانت الأزمة ستتفاقم، بل كيف ستتفاقم. هل سينتفض الشعب الإيراني لإسقاط نظام خامنئي، وإن حدث ذلك فكيف سيكون المشهد؟ أم أن الجمهورية الإسلامية، التي تحكم البلاد بقبضة حديدية منذ عام 1979، ستتمكن مرة أخرى من التمسك بالسلطة؟
في ما يلي خمسة سيناريوهات قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
أولًا: الرد الإيراني
كانت إيران قد بدأت بالفعل الرد بإطلاق صواريخ على إسرائيل. كما وجهت ضربات إلى الإمارات والكويت وقطر والبحرين والسعودية.
تحتفظ طهران بترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة، إلى جانب قوات إقليمية حليفة قادرة على استهداف القوات الأميركية في العراق وسوريا وضرب مدن إسرائيلية.
أي هجمات على قواعد أميركية أو أصول بحرية في الخليج أو مراكز سكانية إسرائيلية قد توسع نطاق الصراع بشكل كبير، وتختبر استعداد واشنطن لخوض حرب شاملة وطويلة. كما يمكن لإيران تعطيل خطوط الملاحة في الخليج، بما في ذلك مضيق هرمز، وهي خطوة ستكون لها تداعيات خطيرة على أسعار النفط والأسواق العالمية، إذ يمر عبر المضيق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
سرعة وحجم الرد الإيراني سيحددان ما إذا كانت المواجهة ستبقى محدودة أم ستتحول إلى حرب ممتدة.
ومن غير المرجح أن يُقبض على خامنئي حيًا. فالمرشد محمي بوحدة أمنية نخبوية تابعة للحرس الثوري، وبهيكل قيادة صلب صُمم لمنع اعتقاله أو تصفيته. ولا يُعرف مكان وجوده حاليًا، وفي أزمات سابقة لجأ إلى مواقع آمنة. وبالنظر إلى أنه يبلغ من العمر 86 عامًا، ومن غير المتوقع أن يستسلم، فإن أي محاولة للقبض عليه ستؤدي على الأرجح إلى مقاومة قاتلة أو إلى مقتله بدل اعتقاله، بما قد يخلق أثرًا تعبويًا حول شخصه بدل أن يؤدي إلى انهيار النظام.
طهران بدورها استعدت منذ أشهر لاحتمال التصعيد، إذ أعادت تموضع منصات إطلاق الصواريخ، وعززت تحصين منشآت رئيسية، ورفعت قواتها إلى أعلى درجات الاستنفار.
ثانيًا: التصعيد الإقليمي
لا تعمل إيران منفردة. فحزب الله في لبنان، والميليشيات في العراق، والحوثيون في اليمن، وجماعات أخرى حليفة، تشكل شبكة قادرة على فتح جبهات متعددة.
إذا انخرطت هذه الأطراف في القتال، فقد تواجه إسرائيل هجمات متزامنة من الشمال والجنوب، فيما تصبح دول الخليج التي تستضيف قوات أميركية أهدافًا من عدة اتجاهات.
صراع متعدد الساحات سيعقّد الاستراتيجية الأميركية بصورة كبيرة، وربما يستدرج قوى إقليمية إضافية، ويرفع مستوى المخاطر إلى ما يتجاوز بكثير الضربات الأولى.
ثالثًا: احتجاجات تشتعل
دعا ترامب علنًا إلى تغيير النظام، متوجهًا مباشرة إلى الشعب الإيراني لتولي حكم البلاد «عندما ننتهي».
الاحتجاجات التي شهدتها إيران منذ بداية هذا العام قوبلت بقمع عنيف من السلطات. وخلال خطاب حالة الاتحاد هذا الأسبوع، قال ترامب إن 32 ألف إيراني قُتلوا. تقديرات أخرى تضع الرقم عند مستوى أقل، لكن حجم الاحتجاجات وقسوة القمع لا خلاف عليهما.
قد تشجع الضربات الأميركية الإيرانيين، ولا سيما الشباب، على النزول إلى الشوارع مجددًا. وإذا انشغلت قوات الأمن بالحرب أو تشتتت جهودها، فقد تتسع رقعة التظاهرات سريعًا.
غير أن النظام يمتلك سجلًا طويلًا في القمع السريع والحاسم، ما يعني أن أي موجة اضطرابات جديدة قد تواجه برد فوري وعنيف. كما أن العمل العسكري الأميركي قد يثير رد فعل قومي رافض للتدخل الخارجي، حتى لدى معارضين للنظام.
رابعًا: عودة ولي العهد
أحد السيناريوهات المحتملة يتضمن شخصيات معارضة في المنفى، من بينها رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل. لا تزال شبكات مؤيدة للملكية ناشطة في الشتات وبعض الأوساط داخل البلاد.
إذا تزعزعت سلطة النظام، قد يحاول قادة معارضون في الخارج تقديم أنفسهم كوجوه انتقالية. وعندها ستتعرض حكومات غربية وشرق أوسطية لضغوط للاعتراف بهم ودعمهم.
لكن المشهد السياسي الإيراني شديد التشرذم، وبهلوي والعائلة المالكة المخلوعـة يواجهان رفضًا واسعًا داخل البلاد. أي سيناريو «عودة» سيكون فوضويًا ومثار جدل، ومن غير المرجح أن يؤدي إلى استقرار سريع.
خامسًا: تمسك النظام بالسلطة
الاحتمال الأكثر ترجيحًا أن يتمكن النظام من الحفاظ على السلطة التي دافع عنها بفعالية منذ 1979. فقد تجاوزت الجمهورية الإسلامية حروبًا وعقوبات واحتجاجات على مدى عقود. ويظل جهازها الأمني، ولا سيما الحرس الثوري، قويًا ومتشعبًا في مفاصل الدولة.
الهيكل الحاكم مصمم للبقاء. وحتى لو قُتل خامنئي، فإن النظام مبني على مبدأ الاستمرارية، إذ تتوزع السلطة بين مؤسسات دينية والحرس الثوري وأجهزة أمنية أعدّت نفسها لسيناريوهات الخلافة والاضطراب. سلاسل القيادة متعددة المستويات، ونواب محددون سلفًا، والقرار محصور في دوائر ضيقة لضمان استمرار العمل حتى في ظل القصف أو محاولات الاغتيال. ضربة واحدة لن تكفي لإسقاط الدولة.
بل قد تؤدي الضربات إلى تعزيز نفوذ المتشددين، وتشديد القبضة الأمنية، وتصعيد القمع.
ورغم أن هذا السيناريو قد يكون الأرجح، فإنه أيضًا الأخطر: فالضربات قد تضعف قدرات إيران، لكنها قد تترك خلفها نظامًا أكثر تصلبًا وتطرفًا.

