احبارالفن

في مثل هذا اليوم رحيل فنان الشعب سيد درويش

نهاد عادل
تحل اليوم، الخميس 10 سبتمبر، ذكرى رحيل الفنان والموسيقار الكبير سيد درويش، الذي غاب عن عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 1923، عن عمر ناهز 31 عامًا، بعد مسيرة فنية قصيرة زمنيًا، لكنها تركت أثرًا بالغًا في تاريخ الموسيقى المصرية والعربية.
ويُعد سيد درويش، الذي عُرف بلقب «فنان الشعب»، واحدًا من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية خلال بدايات القرن العشرين، بعدما نجح في نقل الغناء من القصور والصالونات إلى الشارع المصري، وجعل من الموسيقى وسيلة للتعبير عن حياة الناس وأحلامهم وقضاياهم.
وُلد سيد درويش البحر في 17 مارس عام 1892 بحي كوم الدكة في الإسكندرية، ونشأ في أسرة بسيطة، إلا أن موهبته الفنية ظهرت منذ سنواته الأولى، وتميز بصوت لافت وحس موسيقي ساعده على شق طريقه في عالم الفن.
والتحق بالمعهد الديني في الإسكندرية عام 1905، واضطر خلال سنوات شبابه إلى العمل في عدد من المهن لمساعدة أسرته، ومن بينها العمل في البناء.
وخلال تلك الفترة، لفت صوته انتباه الأخوين أمين وسليم عطا الله، اللذين أعجبا بموهبته واصطحباه إلى بلاد الشام عام 1908، حيث تعرف هناك على ألوان موسيقية مختلفة، وتعلم العزف على العود، واكتسب خبرات فنية ساعدته على تطوير موهبته.
وعاد سيد درويش إلى مصر عام 1912، ليبدأ مرحلة جديدة في حياته الفنية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة عام 1917، حيث اتسعت دائرة شهرته وبدأ اسمه يلمع في عالم المسرح والغناء.
تعاون سيد درويش مع عدد من كبار المسرحيين في عصره، من بينهم نجيب الريحاني وجورج أبيض وعلي الكسار، كما كان تعاونه مع الكاتب بديع خيري من أبرز محطات تجربته الفنية.
وقدم خلال سنوات قليلة عددًا كبيرًا من الألحان والأعمال المسرحية والغنائية التي أصبحت جزءًا من التراث الفني المصري، واستطاع أن يجعل من المسرح الغنائي مساحة للتعبير عن حياة المصريين اليومية.
ولم يكتفِ سيد درويش بتقديم الألحان التقليدية، بل استلهم من حياة العمال والفلاحين وأصحاب المهن المختلفة، وقدم موسيقى تعبر عن المجتمع المصري بصورة جديدة ومختلفة، وهو ما جعله قريبًا من الناس ورسخ مكانته كـ«فنان الشعب».
ارتبط اسم سيد درويش بعدد من أشهر الألحان الوطنية في الذاكرة المصرية، ومن أبرزها «قوم يا مصري»، الذي ارتبط بأجواء الحركة الوطنية المصرية وثورة 1919.
وكان سيد درويش يرى أن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للترفيه، وإنما يمكن أن تكون صوتًا للمجتمع والوطن، وهو ما ظهر بوضوح في أعماله التي عبرت عن هموم المصريين وطموحاتهم.
كما قدم ألحانًا للعمال وأصحاب الحرف والمهن، واستفاد من الإيقاعات والألحان الشعبية، ليحدث تحولًا مهمًا في شكل الموسيقى والغناء المصريين.
ترك سيد درويش خلفه إرثًا فنيًا ضخمًا رغم قصر سنوات حياته، ومن أبرز أعماله المسرحية والغنائية «العشرة الطيبة» و«البروكة» و«شهرزاد»، إلى جانب عدد كبير من الأدوار والموشحات والطقاطيق والألحان التي ظلت حاضرة في الوجدان المصري والعربي.
كما ارتبط اسمه بألحان عاطفية وإنسانية شهيرة، من بينها «زوروني كل سنة مرة»، الذي أصبح من أبرز الأعمال التي ارتبطت بالشوق والحنين، وتناقلت الأجيال أداءه وتفسير حكاياته.
وفي 10 سبتمبر عام 1923، رحل سيد درويش عن عالمنا عن عمر لم يتجاوز 31 عامًا، في واحدة من أكثر وقائع الرحيل المبكر تأثيرًا في تاريخ الفن المصري.
وأثارت وفاته، منذ ذلك الوقت، العديد من الروايات والتكهنات بشأن أسبابها، وتحدثت بعض الروايات عن تعاطي مواد مخدرة، بينما ذهبت روايات أخرى إلى وجود شبهة جنائية أو حتى تعرضه للتسميم بسبب مواقفه وألحانه الوطنية.
إلا أن هذه الروايات ظلت محل جدل تاريخي، ولا توجد أدلة قاطعة تسمح بالجزم بأنه تعرض للاغتيال بسبب أعماله الوطنية، لتبقى حقيقة رحيله المبكر واحدة من أكثر الجوانب الغامضة في سيرته.
ورغم رحيله في سن صغيرة، فإن تأثير سيد درويش لم يتوقف بوفاته، بل امتد إلى أجيال متعاقبة من الموسيقيين والمطربين، واستلهم من مدرسته الفنية كبار الأسماء، ومن بينهم محمد عبد الوهاب وزكريا أحمد ورياض السنباطي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى