مقال

في حضرة الصيام (6)


الصيام والصدق: حين يصفو القلب من زيف القول
سلسلة مقالات رمضانية
بقلم: الأديب المفكر د. كامل عبد القوي النحاس
استهلال: بين الجوع والحقيقة
ليس الصيام مجرد جوعٍ عابر يمرُّ بوهنٍ على الجسد ثم ينقضي بلفظ الأنفاس، بل هو “غربالٌ دقيق” تمرُّ عبر مسامه النفس البشرية، ليتساقط زيف الأقنعة ويبقى جوهر الصدق.
في نهار رمضان، يزهد الصائم فيما تشتهيه النفس من مباح الطعام والشراب، لكنه في الملكوت الأعمق للعبادة، يُدعى إلى زهدٍ أسمى:
ترك ما اعتاده اللسان من مبالغةٍ تجميلية، وما ألفه السلوك من مداهنةٍ فارغة، وما تسلل إلى شغاف القلب من تلوّنٍ خفيّ.
الصوم الحق ليس صياماً عن “اللقمة” فحسب، بل هو “إفطارٌ” على الحقيقة، وكفٌّ عن الكلمة التي لا تُشبه الضمير، وعن الموقف الذي لا يعكس مكنون الوجدان.
وهنا تتجلى القيمة المركزية للصدق، فهو “روح الصيام” وسرُّ قبوله الأوحد، والجسر المتين الذي يعبر بالعبادة من طقوس الأبدان إلى استقامة الأرواح.
الصيام مدرسة للصدق
رمضان لا يكتفي بترويض الجسد على الصبر، بل يذهب بعيداً ليدرب النفس على “الشفافية الروحية”. فالصائم الذي يراقب الله في خلوته، موقناً أن بإمكانه أن ينتهك الصوم بعيداً عن أعين الرقباء ثم لا يفعل، إنما يُقيم حجةً على نفسه بأن “الصدق مع الله” مقامٌ سابقٌ على “الصدق مع الخلق”.
هذه الرقابة الجوانية هي جذر الصدق الأصيل، فالصدق ليس مجرد حرفٍ يُنطق عند السؤال،
بل هو حالةٌ وجودية يعيشها المرء في عتمة السر كما في ضوء العلن.
حين ينكسر كبرياء الجسد بالجوع، تصفو بصيرة الروح، ويغدو المرء أقدر على محاكمة ذاته في صمت:
هل ما أتفوه به هو ما أعتقده حقاً؟
هل أؤدي أمانة العمل بقدسية الانتماء؟
هل أفي بالوعود بذات الدقة التي أطالب بها الآخرين؟
إن الصيام يطرح هذه الأسئلة بوقار، مانحاً الصائم فرصةً وجودية لتصحيح المسار، فالصدق في رمضان ليس سلوكاً “مُكمّلاً”،
بل هو البرهان الوحيد على أن نبض الصيام قد بلغ شغاف القلب قبل أن يستقر في معدة البدن.
القرآن والصدق: رفقة الطريق
لقد جعل القرآن الكريم “الصدق” علامةً فارقة للتقوى ورفيقاً أبدياً للإيمان، حيث يقول الحق سبحانه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119).
إنها دعوةٌ لـلمعيّة الأخلاقية، فليس المطلوب أن تنطق بالصدق فحسب، بل أن تتنفسه، وأن تجعله بيئتك وهواءك.
رمضان هو الميقات الأقدس لتفعيل هذه الآية، فالمؤمن الذي يراقب ربه في ذرة طعام، حريٌّ به أن يراقبه في عظيم الكلام، وفي موقفٍ مصيري، وفي شهادةٍ قد تُحيي نفساً أو تقيم عدلاً.
الصدق في مضمار الصيام ليس ترفاً أدبياً،
بل هو الوجه التطبيقي للتقوى التي هي غاية الصوم الكبرى.
الحديث النبوي: منهج حياة وسلوك
يضع لنا المعلم الأول ﷺ خارطة الطريق الأخلاقية بقوله:
«عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا» (متفق عليه).
تأمل في قوله ﷺ: “يتحرى الصدق”، فهي تشي بأن الصدق ليس ومضةً عابرة، بل هو مسارٌ كفاحي، وتدريبٌ يومي، ومنهجٌ يتطلب من صاحبه اليقظة الدائمة حتى يستحيل صفةً جينية في كيانه.
رمضان يمنحنا “المختبر المثالي” لهذا التحري، فكل لحظة هي امتحان، وكل كلمة هي ميزان.
تجليات الصدق في الحياة اليومية

  • ​في البيت: يتبدى الصدق في عفوية التعامل، ووضوح العواطف، والشجاعة في الاعتراف بالهنّات دون مكابرة.
    الصائم الصادق لا يتخذ من إعياء الصوم ذريعةً لغلظة القول، بل يراه فرصة لتهذيب النفس بالرفق.
  • ​في العمل أو الدراسة: الصدق هو “الإخلاص الخفي”؛ أن تنجز مهمتك كما لو أن عين الله تلاحقك.
    هو الانضباط بالمواعيد، والترفع عن التحايل، وإتقان العمل بوصفه “تعبداً” لا مجرد وظيفة.
  • ​في المجتمع: هو الوفاء بالعهد، وقول الحق بفيضٍ من اللطف، والنصح الذي يبتغي وجه الله والخير للناس.
    الصدق هنا ليس صِدَاماً، بل هو “نقاءٌ سارٍ” يشيع الثقة في أوصال المجتمع.
    ​الصدق والبرّ: اكتمال المعنى
    ​إن الصوم الذي لا يُثمر صدقاً في المعاملة يظل “طقساً بلا روح”، فالكفُّ عن الطعام هو “المقدمة”، والصدق هو “النتيجة”. وحين يتعانق الصيام مع الصدق، يتحقق “البرُّ” الشامل:
    برٌّ مع الخالق بالعبادة،
    وبرٌّ مع الخلق بالاستقامة.
    الصائم الصادق يخرج من هذا الشهر وقد استقام لسانه ببيان الحقيقة، واطمأن قلبه ببرد اليقين، فلا يعود للزيف سبيلاً إليه بعد انقضاء الأيام المعدودات.
    ​الخاتمة: ميزان القبول
    ​الصيام ميزانٌ أخلاقي، والصدق هو كفّته الراجحة. فما جدوى جوعٍ لا يزجر صاحبه عن قول الزور؟
    وما أثر عطشٍ لا يغسل الضمير من تلوّن المداهنة؟
    رمضان ليس موسماً للانضباط الشكلي، بل هو “لحظة مكاشفة” عظمى بين العبد وربه. فمن صدق في محراب صومه، استقام في محراب حياته،
    فالصادق لا يودع الصدق برحيل الشهر، بل يجعله زاداً لعامٍ كامل، ممتداً بصفاء نهاراته إلى كل نهارات العمر.
    ​التأمل
    ​قِف مع كينونتك في سكون هذا الشهر:
    هل أقول الحقيقة في جلالها، أم أصطفي منها ما يخدم مآربي؟
    هل أؤدي أمانتي بإتقانٍ تام، أم أرضى بأدنى ما يرفع العتب؟
    هل أنا في خلوتي الصادقة مع الله كما أظهر في جلوتي أمام الناس؟
    رمضان مرآةٌ صقيلة، من اقترب منها بصدق، أبصر جوهر روحه بلا رتوش.
    ​السؤال
  • ​هل أعاد الصيام صياغة علاقتي بفضيلة الصدق؟
  • ​هل صرتُ أكثر وضوحاً مع ذاتي، وأقلَّ تلوّناً مع الآخرين؟
  • ​هل سأستصحب هذا النقاء الأخلاقي معي كمنهج حياة بعد انقضاء رمضان؟
    ​فإن آنست من نفسك تحوّلاً نحو الحقيقة، فأبشر بأثر الصيام المقبول..
    وإن وجدت الطريق لا يزال طويلاً، فباب الصدق لم يزل مشرعاً،
    ورمضان ما زال يمنحك الفرصة لتولد من جديد.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *