مقال

غدا توفى النفوس ما كسبت


بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا يا عباد الله أن من أعظم الجرم وإن من أكبر الخسران أن يعود المرء بعد الغنيمة خاسرا وأن يبدد المكاسب التي يسرها الله عز وجل في هذا الشهر الكريم، وأن يرتد بعد الإقبال مدبرا وبعد المسارعة إلى الخيرات مهاجرا وبعد عمران المساجد بالتلاوات والطاعات معرضا، فإن هذه الأمور لتدل على أن القلوب لم تحيا حياة كاملة بالإيمان ولم تستنر نورها التام بالقرآن وأن النفوس لم تذق حلاوة الطاعة ولا المناجاة، وأن الإيمان ما يزال في النفوس ضعيفا وأن التعلق بالله عز وجل لا يزال واهنا، فإن غدا توفى النفوس ما كسبت، و يحصد الزارعون ما زرعوا، فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساءوا فبئس ما صنعوا، وفي نهاية شهر رمضان نقول لا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، وقال أهل التفسير بأن المرأة المقصودة في الآية الكريمة هى امرأة عاشت في زمن ما قبل الإسلام وهى فترة الجاهلية.

واسمها رابطة أو رايطة أو ريطة من بني تميم، وكانت امرأة تلقب بالجعراء أو الجعرانة، وإليها ينتسب الموضع المسمى بالجعرانة بين مكة المكرمة والطائف، وهو ميقات للإحرام، وإلى جانب ذلك كانت تسمى بخرقاء مكة، ويضرب بها المثل في الحمق، فما قصة حمقها؟ فلقد كانت هذه المرأة تجتمع كل يوم، هي ومجموعة من الجوارى والعاملات لديها، فتأمرهن بالعمل على غزل ونسج الصوف والشعر ونحوهما، ثم إذا انتصف النهار وانتهين من أداء عملهن في الغزل أمرتهن بنقضه، أى إفساد ما غزلنه وإرجاعه أنكاثا، بمعنى أنقاضا أو خيوطا، وذلك بإعادة تقطيع الغزل إلى قطع صغيرة، ثم تنكث خيوطها المبرومة، فتخلط بالصوف أو الشعر الجديد وتنشب به، ثم تضرب بالمطارق أو ما شابه، على أن يقمن بغزله مجددا في اليوم التالي وهكذا، تجهد هذه المرأة نفسها وعاملاتها بالعمل ثم تفسده بحمقها وخراقتها.

وقال ابن رجب بعض السلف كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم، وقيل أنه خرج الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله في يوم عيد فطر فقال في خطبته، أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يوما وقمتم ثلاثين ليلة وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم، وكان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال له إنه يوم فرح و سرور فيقول صدقتم ولكني عبد أمرني مولاى أن أعمل له عملا فلا أدري أيقبله مني أم لا ؟ وقيل رأى وهب بن الورد قوما يضحكون في يوم عيد فقال إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين وإن كان لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين، وعن الحسن قال إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون.

ويخسر فيه المبطلون، وقيل أنه سُجن الإمام البويطى صاحب الشافعي ووُضع الغُلّ في عنقه، والقيد في رجليه، وكان يقول لأموتن في حديدى هذا، حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديده، وكان البويطي وهو في الحبس يغتسل كل جمعة، ويتطيب، ويغسل ثيابه، ثم يخرج إلى باب السجن إذا سمع النداء، فيردّه السجان، فيقول البويطى اللهم إني أجبت داعيك فمنعوني، وكتب البويطي إلى الذهلى يقول له أسألك أن تعرض حالي على إخواننا أهل الحديث، لعل الله يُخلصني بدعائهم، فإني في الحديد، وقد عجزت عن أداء الفرائض من الطهارة والصلاة، فضجّ الناس بالبكاء والدعاء له، وقد قال تعالى ولم يزل قائلا عليما وآمرا حكيما تشريفا لقدر المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعظيما ” وإنك لعلي خلق عظيم” فيا أخي الكريم لقد كان الصوم لك فى رمضان جُنة ووقاية وحصنا حصينا من شياطين الإنس والجن.

فهل تأمن على نفسك بقية العام بلا حصن ولا عُدة، فالصوم باقى بقاء العام فطب نفسا بمواسم الصيام، وقاوم الشيطان طوال العام، فلو أخلصت النية في ذلك حفظك الله منه.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *