أخبار منوعة

صراع المياه.. القنبلة الموقوتة في المنطقة


دكتور احمد ابراهيم حنفي
شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مدار العقود الماضية تحولات جيوسياسية عميقة إلا أن التحدي الأكثر خطورة والأقل بروزا في العناوين الرئيسية مقارنة بالنزاعات المسلحة والتحالفات السياسية هو الصراع غير المعلن حول الموارد المائية هذا التحدي الذي بات يوصف بالقنبلة الموقوتة يهدد بتفجير الأوضاع الاستراتيجية في المنطقة ما لم يتم تداركه برؤية سياسية ودبلوماسية مغايرة لما هو سائد الآن وتتحول المياه تدريجيا من كونها عنصرا بيئيا حيويا إلى محرك أساسي للصراعات الإقليمية وأداة للضغط السياسي والاقتصادي بين الدول المتشاطئة التي تشترك في أحواض نهرية واحدة وتواجه معضلة حقيقية في إدارة النقص الحاد في هذا المورد الاستراتيجي


إن الأزمة الحالية لا تنبع فقط من التغيرات المناخية التي تسببت في موجات جفاف غير مسبوقة وانخفاض في معدلات هطول الأمطار بل تتغذى بشكل أساسي على غياب التنسيق السياسي واستقواء دول المنبع بمواقعها الجغرافية لفرض سياسات أحادية الجانب وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في أحواض الأنهار الكبرى بالمنطقة مثل حوض النيل وحوضي دجلة والفرات حيث تحولت المشاريع التنموية وبناء السدود الضخمة إلى مصادر توتر دائم بين الجيران وتعتبر دول المصب مثل مصر والعراق وسوريا الأكثر تضررا من هذه السياسات حيث تجد أمنها المائي والقومي في مواجهة تهديد وجودي مباشر يؤثر على قطاعاتها الزراعية والصناعية والاجتماعية
تتجلى المعضلة السياسية في أن القوانين الدولية المنظمة لاستخدام المياه العابرة للحدود تظل حبرا على ورق في ظل غياب آليات إلزامية دولية تفرض على دول المنبع احترام حقوق دول المصب وتتعامل الدول مع ملف المياه من منظور السيادة المطلقة متغافلة عن مبادئ القانون الدولي التي تنص على الاستخدام المنصف والاهتداء بمبدأ عدم إلحاق ضرر ذي شأن بالآخرين هذا التباين في التفسير والتمسك بالمصالح الضيقة يدفع المنطقة نحو حافة المواجهة حيث لم تعد لغة الدبلوماسية التقليدية قادرة على احتواء الخلافات المتصاعدة مما يفتح الباب أمام احتمالات التصعيد العسكري أو استخدام أوراق ضغط اقتصادية وأمنية متبادلة قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الإقليم بأسره


علاوة على ذلك فإن هذا الصراع الصامت يتداخل مع ملفات أمنية معقدة أخرى مثل النمو السكاني المتسارع والهجرة الداخلية والخارجية والاضطرابات السياسية التي تضعف قدرة الحكومات على إدارة مواردها المائية بكفاءة وحينما تجف الأراضي الزراعية ويفقد ملايين الفلاحين سبل عيشهم يتحول هؤلاء إلى وقود للاضطرابات الاجتماعية أو ينضمون إلى قوافل المهاجرين نحو المدن الكبرى أو خارج الحدود مما يخلق أزمات أمنية جديدة تضاف إلى الأزمات القائمة بالفعل ويصبح الماء في هذا السياق محركا لنوع جديد من الحروب لا يعتمد بالضرورة على المدافع في بداياته بل يتشكل عبر التعطيش الممنهج وتدمير البنى التحتية للاقتصادات الوطنية


يتطلب الخروج من هذا النفق المظلم قناعة سياسية راسخة لدى قادة المنطقة بأن التعاون في مجال المياه ليس خيارا رفاهيا بل هو ضرورة حتمية لضمان البقاء المشترك ويجب الانتقال من عقلية الصراع الصفرية التي تعني أن مكسب طرف هو خسارة حتمية للطرف الآخر إلى نموذج الشراكة والتنمية المستدامة التي تحقق مصالح الجميع من خلال استثمارات مشتركة في تكنولوجيا تحلية المياه وإعادة تدويرها وتطوير نظم ري حديثة ويبقى الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة على مدى قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على بلورة وسيط نزيه وصياغة اتفاقيات قانونية ملزمة تضمن توزيعا عادلا للمياه وتنزع فتيل هذه القنبلة الموقوتة قبل أن تنفجر في وجه الجميع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى