بقلم / محمـــد الدكـــروري
من أخلاق العظماء هو ما فعله قيس بن عاصم المنقري عندما قتل ابن أخ له بعض بنيه، فأتي بالقاتل مكتوفا يقاد إليه، فقال ذعرتم الفتى، ثم أقبل على الفتى فقال يا بني بئس ما صنعت نقصت عددك وأوهنت عضدك وأشمتّ عدوك وأسأت بقومك خلو سبيله، واحملوا إلى أمّ المقتول ديته فإنها غريبة، ثم انصرف القاتل وما حلّ قيس حبوته، ولا تغير وجهه، فأخلاق العظماء هي كما قال محمود الوراق سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب وما الناس إلا واحد من ثلاثة فأما الذي فوقي فأعرف قدره وأما الذي دوني فإن قال صنت عن وأما الذي مثلي فإن زلّ أو هفا، وإن كثرت منه عليّ الجرائم شريف ومشروف ومثلي مقاوم وأتبع فيه الحق والحق لازم إجابته عرضي وإن لام لائم تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم، نعم، هكذا الصفح وهكذا التعامل كما نجده في كتاب الله تعالى.
وهو يحبب إلينا صورة حسن الخلق التي قلّ أن توجد إلا عند العظماء فيقول تعالي ” والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ” وإعلموا أن القابض على دينه اليوم كالقابض على جمرة بين فكيه، فإذا كان هذا هو واقع الأمة فلا غرابة أن تأكلها دول الكفر، وتستفرد بها دولة تلو الأخرى كما هو حاصل اليوم، فعن ثوبان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ” فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال صلى الله عليه وسلم ” بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن ” فقال قائل يا رسول الله وما الوهن ؟ قال صلى الله عليه وسلم ” حب الدنيا وكراهية الموت ” رواه أبو داود، واعلموا أن الدعوة إلى الله تعالى ضرورة شرعية دل عليها الكتاب والسنة.
بل لقد نبهت الكتب السابقة قبل نزول القرآن الكريم على أن شعار هذه الأمة هو الدعوة إلى الله كما جاء في قوله عز وجل عن مؤمني أهل الكتاب “الذين يتبعون الرسول النبي الأمي” فقد قدم الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما أساس الدعوة قدمهما على تشريع الحلال والحرام، ومما يؤكد أهمية الدعوة إلى الله تعالى أن الله جعلها قسيمة الجهاد في سبيله كما قال سبحانه “وما كان المؤمنون لينفروا كافة” فقد سمى الله الخروج في طلب العلم لتعلمه وتعليمه نفيرا وجعله مقابلا للذين ينفرون للجهاد في سبيله، وكما أن الله تعالى جعل الدعوة من وسائل التمكين في الأرض قال تعالى”الذين إن مكناهم في الأرض أقامو الصلاة” وأعظم فضائل الدعوة على هذه الأمة هي الخيرية المطلقة التي نالت بها قصب السبق على كل الأمم، حيث قال تعالي ” كنتم خير أمة أخرجت للناس”
لأن نفع الناس وتعليمهم الهدى والخير من أعظم الأعمال التي يحبها الله جل جلاله فقال تعالي “ومن أحسن قولا ممن دعا إلي الله ” ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه “فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم” متفق عليه، وإن من بركة الدعوة إلى الله ما يكون لها من آثار طيبة من رجوع إلى الحق والعمل به وإنتشار الخير وإندحار الشر وأهله وإن أعظم الآثار قاطبة ما يعيشه المسلمون إلى يوم القيامة من إيمان بالله وتوحيد خالص وخروج من الظلمات إلى النور ببركة دعوة سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، ثم أتى الصحابة من بعده عليه الصلاة والسلام ودعوا إلى الله فكانت لدعوتهم آثار عظيمة فإنهم قد نشروا الإسلام شرقا وغربا ثم جاء من بعدهم من السلف وهكذا توالت الدعوات المباركة، وإن الدعوة إلى الله تعالى يقصد بها كل ما فيه ترغيب في الدعوة.
إلى دين الله والتمسك به، ويجمل ذلك ويوضحه قول الله تبارك وتعالى “ادع إلى سبيل ربك” فسبيل الله هو الإسلام وهو الصراط المستقيم هو الذي يجب الدعوة إليه لا إلى مذهب فلان ولا إلى رأي فلان ولكن إلى دين الله الذي بعث به محمد عليه الصلاة والسلام وعلى رأس ذلك الدعوة إلى العقيدة الصحيحة وتوحيد الله بالعبادة والإخلاص له، ويدخل في ذلك الدعوة إلى ما افترض الله تعالي على العباد من واجبات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام.


