مقال

درس فى عبقرية التشريع الإسلامى

بقلم :د كامل عبد القوى النحاس
لم ينزل القرآن الكريم ليضع أحكامًا جامدة لا تراعي أحوال الناس، كما لم ينزل ليترك الأحكام تتغير مع الأهواء وتقلبات الظروف، وإنما جاء بمنهج رباني يجمع بين ثبات المقاصد ومرونة الوسائل، وبين دوام الأصول ومراعاة المراحل التي تمر بها الأمة في طريق بنائها.
ومن هنا كان النسخ أحد المظاهر البارزة لهذه الحكمة الإلهية؛ فهو ليس بابًا للتناقض كما يتوهم بعض الناس، ولا دليلًا على تبدل الإرادة أو تغير العلم ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ
وإنما هو انتقال مقصود من حكم إلى حكم، وفق علم الله الأزلي، وبحسب ما تقتضيه مصلحة العباد في كل مرحلة من مراحل التشريع.
ولعل أوضح مثال يجسد هذه الحقيقة ما ورد في سورة الأنفال في شأن مصابرة المؤمنين في ميدان القتال، وهو مثال لا يبين حكمة النسخ فحسب، بل يكشف أيضًا كيف كان القرآن يصنع الرجال، ويبني الدولة، ويهيئ أمةً صغيرة لتقف في وجه قوى الأرض جميعًا.
غير أن فهم هذا النموذج لا يكتمل بمجرد قراءة الآيتين، بل يحتاج إلى استحضار الظروف التي نزل فيهما القرآن، لأن النص الشرعي لا ينفصل عن الواقع الذي نزل لمعالجته، وإن كانت دلالاته ومقاصده باقية لكل زمان.
لقد خرج المسلمون من مكة بعد سنوات طويلة ذاقوا فيها ألوان الأذى والتعذيب والاضطهاد، وصودرت أموالهم، وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.
ثم أسسوا في المدينة نواة الدولة الإسلامية الأولى، لكنها كانت دولة وليدة، قليلة العدد، محدودة الإمكانات، لم يكد يشتد عودها حتى وجدت نفسها في مواجهة قوى متعددة، تتربص بها وتنتظر الفرصة للقضاء عليها.
ففي الجنوب كانت قريش تعد العدة للثأر لما أصابها في بدر، وتعلن صراحة أنها لن تهدأ حتى تستأصل المسلمين. وفي الداخل كان المنافقون يعملون على إضعاف الجبهة الداخلية، بينما كانت بعض القبائل العربية تراقب الموقف لتحدد مع من تكون الغلبة، أما يهود المدينة ومن حولها فقد دخل كثير منهم في دائرة التآمر ونقض العهود. وكانت الدولة الإسلامية محاطة بالأخطار من كل اتجاه، حتى بدا بقاؤها في حد ذاته معجزة من معجزات الثبات والإيمان.
وفي مثل هذه الظروف لا يكفي أن تمتلك الأمة سلاحًا، بل تحتاج قبل السلاح إلى رجال يحملون من قوة اليقين ما يجعلهم أكبر من ظروفهم، وأثبت من عواصف الواقع، وأقدر على التضحية من أجل بقاء الرسالة.
ولهذا جاء الخطاب الإلهي في غاية القوة، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾
[الأنفال: 65].
وقد أجمع جمهور المفسرين على أن هذه الآية لم تكن مجرد بشارة بالنصر، وإنما تضمنت حكمًا شرعيًا؛ فكان يحرم على المسلم أن يفر من القتال إذا لم يزد عدد المشركين على عشرة أمثاله. فالواحد يثبت أمام عشرة، والعشرون أمام مائتين، والمائة أمام ألف.
وقد يبدو هذا التكليف شديدًا إذا نظرنا إليه بمعايير القوة المادية المجردة، لكنه يصبح مفهومًا إذا نظرنا إلى طبيعة المرحلة التي كانت تمر بها الأمة. فلم يكن المقصود مجرد خوض معركة، وإنما حماية مشروع حضاري كامل، وحفظ الرسالة قبل أن تمتد جذورها في الأرض.
إن الدول الناشئة تمر بلحظات فاصلة، قد تكون معركة واحدة سببًا في بقائها أو فنائها. وإذا نجح العدو في كسر إرادة الجيل المؤسس، فلن تبقى بعد ذلك دولة ولا دعوة ولا حضارة.
ومن هنا اقتضت الحكمة أن يُربَّى ذلك الجيل على أعلى درجات الصبر والثبات، حتى لا يكون تفوق العدو في العدد والعدة سببًا لانهيار النفوس قبل انهيار الصفوف.
ولهذا لم تقل الآية: إن يكن منكم عشرون مقاتلون
، وإنما قالت: ﴿عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾
؛ لأن مفتاح النصر لم يكن القوة البدنية وحدها، وإنما الصبر الذي يولد الثبات، والثبات الذي يورث النصر.
كما ختمت الآية بقوله تعالى:
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65]،
وكأن القرآن يريد أن يقرر قاعدة خالدة، وهي أن المعركة لا يحسمها العدد وحده، وإنما يحسمها ما في القلوب من يقين، وما في العقول من فقه بحقيقة الصراع، وما في النفوس من استعداد للتضحية في سبيل الحق.
ولذلك كان هذا الحكم في حقيقته برنامجًا تربويًا قبل أن يكون حكمًا عسكريًا، وصناعةً للإنسان قبل أن يكون تنظيمًا للقتال. فقد أراد الله أن يخرج من ذلك المجتمع الصغير رجالًا لا تهزمهم الكثرة، ولا تزعزعهم الشدائد، ولا تجعلهم قلة العدد يستسلمون لليأس، لأن الأمة التي تحمل آخر رسالات السماء لا يجوز أن تُبنى على النفوس الضعيفة، ولا على الإرادات المترددة.
غير أن هذه المرحلة لم تكن هي النهاية، بل كانت بداية الطريق. فلما أدى هذا التشريع مهمته، ورسخت أقدام الدولة الإسلامية، واتسعت رقعتها، ودخل الناس في الإسلام أفواجًا، ولم يعد جميع المسلمين على الدرجة نفسها من الإيمان والسابقة والصبر، شاءت رحمة الله أن تنتقل الأمة إلى مرحلة جديدة من مراحل التشريع…
فأنزل الله سبحانه قوله:
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66].
وهنا يبرز سؤال مهم: ما الذي تغيَّر؟ هل تغيَّر علم الله؟ كلا، فالله سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهل تغيَّرت قيمة الشجاعة والثبات؟ كلا، فهما من أجلِّ خصال المؤمنين في كل زمان. وإنما الذي تغيَّر هو حال الأمة؛ فقد انتقلت من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الاستقرار، ومن مجتمع محدود العدد يضم صفوة السابقين الأولين، إلى أمة واسعة دخل فيها الناس أفواجًا، وتفاوتوا في قوة الإيمان، ودرجة الصبر، والخبرة بأهوال القتال.
ولهذا كان التعبير القرآني بالغ الدقة، إذ قال سبحانه: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، فجعل ما وقع تخفيفًا لا تراجعًا، ورحمةً لا تصحيحًا، وحكمةً لا تناقضًا. ثم بين سبب هذا التخفيف بقوله: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، ولم يقل: “وعلم أنكم ضعفاء”، لأن الآية لا تنزع عن المؤمنين صفة القوة، وإنما تقرر أن المجتمع بعد اتساعه لم يعد كله على مستوى الجيل المؤسس الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبهذا أصبح الحكم المستقر في الشريعة أن يثبت المسلم إذا كان العدو لا يزيد على مثليه، أما إذا تجاوز ذلك، فقد وسع الله على المؤمنين، وجعل لهم مندوحة في إعادة تنظيم الصفوف أو الانحياز إلى فئة من المسلمين، وفق الضوابط التي قررتها الشريعة.
وهذا يبين أن التشريع الإسلامي لا ينظر إلى الإنسان كما ينبغي أن يكون فحسب، بل ينظر إليه أيضًا كما هو، ثم يأخذ بيده إلى الكمال الممكن، فلا يكلفه ما يفضي إلى العجز والحرج، ولا يتركه أسيرًا لضعفه ووهنه. وهنا تتجلى رحمة الله التي قامت عليها هذه الشريعة، فهي تربي حين تكون التربية هي المصلحة، وتخفف حين يكون التخفيف هو عين المصلحة.
ومن هنا يظهر وجه آخر من وجوه الإعجاز التشريعي في القرآن؛ فالحكم الأول لم يكن قسوة، والحكم الثاني لم يكن تساهلًا، بل كان كل واحد منهما مناسبًا للمرحلة التي شرع فيها. ولو عكس الأمر، فجاء التخفيف في أول الطريق، لما نشأ ذلك الجيل الفريد الذي حمل أعباء التأسيس، ولو بقي الحكم الأول بعد اتساع الدولة، لشق على الأمة مشقة لا تقتضيها الحكمة، ولا تحققها المصلحة.
وهذا هو النسخ في صورته الصحيحة؛ انتقال من مصلحة إلى مصلحة، ومن حكمة إلى حكمة، لا من صواب إلى صوابٍ أكثر منه، ولا من نقص إلى كمال. فالناسخ والمنسوخ كلاهما تشريع من عند الله، وكلاهما صدر عن علم محيط، وإنما اختلف زمن العمل بكل واحد منهما.
ولعل هذا المثال يكشف بوضوح أن الشريعة لم تكن تعالج الأحكام مجردة عن واقعها، بل كانت تبني الإنسان، وتصنع المجتمع، وتقيم الدولة. ولذلك لم يكن النسخ في هذه الآية متعلقًا بنسبة عددية في ميدان القتال فحسب، وإنما كان جزءًا من مشروع متكامل لإعداد الأمة، حتى إذا اشتد عودها واستقرت أركانها، انتقلت إلى الحكم الذي يناسب حالها المستقرة.
ومن هنا ينبغي أن نفرق بين الحكم والحكمة؛
فالحكم الأول : قد نسخه الله تعالى، وانتهى العمل به،
أما الحكمة: التي من أجلها شرع، فهي باقية نتعلم منها كيف تُبنى الأمم، وكيف تواجه الأخطار الوجودية، وكيف تُغرس معاني الصبر والثبات والتضحية في نفوس أبنائها.
فإذا مرت الأمة في عصر من العصور بظروف تشبه ظروف نشأتها الأولى، وأحاط بها عدو يريد استئصالها والقضاء على وجودها، فإنها لا تقول: لقد عاد الحكم المنسوخ؛ لأن النسخ قد انتهى بانتهاء الوحي، وإنما تستلهم من هذا النموذج روحَه ومقاصدَه؛ فتربي أبناءها على الصبر، وتوحد صفوفها، وتحسن إعداد قوتها، وتبذل أسباب النصر المشروعة، حتى تواجه الخطر بعزيمة لا تقل عن عزيمة الجيل الأول.
وهنا تتجلى عبقرية التشريع الإسلامي؛ فهو لا يربط الأمة بنصوص تحفظ ألفاظها فحسب، بل يربيها على مقاصد تدرك حكمتها، حتى يبقى الوحي حيًا في واقعها، لا بتغيير أحكامه، وإنما بحسن فهمها وتنزيلها.
ولهذا قرر الإمام ابن القيم رحمه الله قاعدة عظيمة أصبحت من أمهات قواعد الفقه
فقال: «فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل.»
وليس في هذا المثال القرآني ما يجسد هذه القاعدة أكثر وضوحًا؛ فقد بدأ التشريع بعزيمة تناسب ظرفًا استثنائيًا، ثم انتهى إلى حكم دائم يقوم على اليسر ورفع الحرج، دون أن يفرط في إعداد الأمة، أو يضعف روحها، أو يبدل شيئًا من مقاصده الكبرى.
وهكذا يعلمنا هذا النموذج أن النسخ قد انتهى بانتهاء الوحي، لكن منهج التشريع لم ينته؛ فقد بقيت النصوص المحكمة، وبقيت مقاصدها، وبقي الاجتهاد المنضبط الذي يُحسن تنزيل الأحكام على الوقائع المتجددة، دون أن يدعي نسخًا جديدًا، أو يفرط في ثوابت الدين.
قاعدة مستفادة
النسخ يرفع الحكم، لكنه لا يرفع حكمته؛ فالأحكام المنسوخة لا تعود، أما المقاصد التي شرعت من أجلها، والدروس التي غرستها في الأمة، فتبقى هاديةً للمجتهدين، ومصباحًا لفهم الشريعة، ما بقي القرآن يتلى إلى يوم الدين.

وبهذا ندرك أن ما قد يراه بعض الناس تغيرًا في الأحكام، ليس في الحقيقة إلا صورة من صور الرحمة الإلهية، وتجليًا من تجليات الحكمة الربانية.

ومن لم يدرك هذه الحقيقة، وقع في الوهم الذي وقع فيه بعض المستشرقين والحداثيين، حين نظروا إلى النسخ بعينٍ لا ترى إلا ظاهر انتقال الحكم، وغابت عنها مقاصد التشريع وحقائقه.

ومن هنا ننتقل في المقال القادم إلى مناقشة تلك الشبهات، وبيان وجه الخطأ فيها، وكيف تحول ما هو شاهد على كمال الشريعة عند أهل العلم إلى موطن اعتراض عند من أساؤوا فهم هذا الباب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى