
حين يذوب الوقت من بين أيدينا
بقلم/نشأت البسيوني
في زمن تتزاحم فيه الشاشات على أعمارنا وتتصارع فيه الإشعارات على ما تبقى من وعينا صرنا نقف على حافة الأيام مثل هذا الرجل الذي يحاول بكل ما فيه أن يمسك عقارب الزمن قبل أن تنهار قبل أن تسقط من بين أصابعه قبل أن تتحول ساعات العمر إلى قطرات ذائبة لا يعود بالإمكان جمعها الصورة ليست مجرد لقطة عابرة لكنها صرخة صامتة تقول إننا نهدر من وقتنا أكثر مما
نحتفظ به وإننا نمنح العالم الافتراضي حقا لم نعطه يوما لأحلامنا ولا لراحتنا ولا حتى لأنفسنا الوقت في هذه الصورة لا يمشي بل يذوب يذوب كأنه يشكو من ضغط أياد كثيرة تشده في اتجاهات مختلفة أياد تمثل المنصات التي خطفت انتباهنا واحتلت لحظاتنا الصغيرة التي لم نعد نشعر بها كل منصة تشد جزءا من الساعة كأنها تستنزف جزءا من عمرنا دون أن نسأل أنفسنا كم ضاعت من
أيامنا في متابعة ما لا يفيد وكم مر من عمرنا ونحن نحاول إرضاء عالم لا يرى فينا سوى رقم وتعليق وظهور لحظي ينتهي في ثوان
والرجل هنا يحاول التمسك بالساعة لا ليوقف الزمن بل لينقذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تسقط الأرض من تحته وكأن الصورة تقول إن الإنسان حين يترك وقته لغيره يخسر توازنه وينزلق دون أن يشعر فالوقت هو أثمن ما نمتلك لكننا نضيعه في أسهل ما لا يستحق
نهرب من مسؤولياتنا داخل شاشات ونتعلق بفراغ لا يعطينا إلا مزيداً من الضياع والنتيجة أننا نجد أنفسنا على حافة الانهيار نحاول أن نلملم أعمارنا ذابت من غير ما نحس وفي الصورة ابتسامة لكنها ليست ابتسامة راحة بل ابتسامة تعب ابتسامة إنسان يحاول أن يظهر قويا وهو يتألم يحاول أن يصمد أمام السقوط يحاول أن يجمع ما انكسر من وقته وروحه كأن الضحك
آخر وسيلة يداري بها هشاشته ومع ذلك فإن اليد التي تمسك الساعة تقول شيئا آخر تقول إن في داخل الإنسان دائما قدرة على المقاومة على استعادة ما فلت منه ولو اقترب من النهاية خطوة بعد خطوة هذه الصورة ليست مجرد تحذير إنها مرآة مرآة نرى فيها أنفسنا كل يوم ونحن نركض خلف أمور تستهلك قلوبنا قبل ساعاتنا ونسمح لها أن تسرقنا من اللحظات التي تستحق أن نعيشها
بوعي كامل نسمح لها أن تتحكم في مزاجنا وأن تملي علينا كيف نشعر ومتى نفرح ومتى نحزن دون أن ندرك أن الحياة الحقيقية ليست داخل شاشة لكنها في التفاصيل التي تفتقدنا كلما غبنا عنها في وقت نقضيه مع أهلنا في لحظة صمت نفهم فيها أنفسنا في خطوة نخطوها نحو حلم كان ينتظرنا وفي النهاية يخبرنا المشهد أن التوازن هو سر النجاة وأن الوقت الذي نتركه يضيع لن يعود
وأن العمر إذا بدأ يذوب لن يستطيع أحد أن يسنده عنا كل ما علينا هو أن نمد أيدينا نحن لا المنصات ولا الإشعارات ولا الآخرين ونمسك بوقتنا قبل أن نجد أنفسنا على الحافة نضحك من الخارج وننزف من الداخل هذه الصورة ليست مجرد تصميم إنها قصة عمر كامل يضيع دون أن ننتبه

