أخبار التعليم

حين يتحول التعليم من حق إلى سلعة


بقلم : عماد نويجي
هناك فرق هائل بين أن تطور الدولة منظومة التعليم وأن تعيد تشكيلها وفق احتياجات العصر وبين أن يتحول التعليم تدريجيا إلى سوق مفتوح تحكمه القدرة على الدفع ويصبح فيه المال هو بوابة العبور إلى مستقبل أفضل

التعليم ليس مشروعا تجاريا وليس امتيازا تمنحه الدولة لمن يستطيع تحمل تكلفته وليس سلعة يتنافس عليها رجال الأعمال وإنما هو حق أصيل لكل طفل وواجب على الدولة أن تضمنه للجميع بلا تمييز وأن توفر للفقير قبل الغني ولابن القرية قبل ابن المدينة ولابن الأسرة البسيطة قبل ابن الأسرة الميسورة نفس الفرصة في التعلم والارتقاء

والمشكلة ليست في الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة ولا في تطوير أساليب التعليم والاستفادة من الخبرات الدولية فكل ذلك أمر مطلوب بل وضروري ولكن الخطر يبدأ عندما نستورد التجربة دون أن نسأل هل تتوافق مع مجتمعنا وثقافتنا واحتياجات أطفالنا وهل نملك الإمكانات التي تسمح بتطبيقها وهل يؤدي ذلك إلى تحسين التعليم للجميع أم إلى خلق جزر تعليمية متميزة في مقابل اتساع دائرة الحرمان

إن المهارات الحياتية والانضباط والنظام والعمل الجماعي ليست حكرا على دولة بعينها ولا تحتاج إلى مدرسة تحمل اسما أجنبيا حتى يتعلمها الطفل المصري فهذه القيم يمكن أن تكون جزءا أصيلا من كل مدارسنا الحكومية إذا توافرت الإرادة الحقيقية والإدارة الجادة والموارد الكافية والمعلم الذي يجد التقدير والتأهيل الذي يستحقه

أما أن تصبح المدارس المتميزة بديلا عن المدارس الحكومية وأن تتراجع المدرسة العامة لصالح نماذج تعليمية مرتفعة التكلفة فإننا أمام سؤال خطير يجب ألا نهرب منه

أين سيذهب أبناء الأسر محدودة الدخل

ومن سيضمن لهم تعليما جيدا يفتح أمامهم أبواب المستقبل

وهل يصبح التفوق الدراسي مرتبطا بقدرة الأسرة على دفع المصروفات أم بقدرة الطالب على الاجتهاد والتميز

التعليم المجاني الجيد ليس منحة تقدمها الدولة للفقراء بل هو استثمار في مستقبل الوطن كله لأن الطفل الذي يحصل على تعليم جيد اليوم هو الطبيب والمهندس والمعلم والقاضي والعالم غدا

وحين تتسع الفجوة بين مدارس تملك كل الإمكانات ومدارس تفتقد أبسط مقومات الجودة فإننا لا نصنع نظاما تعليميا متطورا بل نصنع مجتمعا من طبقات تعليمية منفصلة لكل طبقة مستقبلها الخاص

وهنا يكمن الخطر الحقيقي

فالتعليم هو أحد أهم جسور العدالة الاجتماعية وإذا انهار هذا الجسر أصبح المال هو المحدد الأول لمصير الإنسان وتحولت الشهادة إلى سلعة وتحول النجاح إلى امتياز قابل للشراء بدلا من أن يكون ثمرة للكفاءة والاجتهاد

نحن لا نحتاج إلى نقل تجارب الآخرين كما هي ولا إلى البحث عن أسماء براقة لمشروعات تعليمية جديدة بقدر ما نحتاج إلى إصلاح جذري لمدارسنا جميعا

نحتاج إلى مدرسة حكومية قوية

ومعلم محترم ومؤهل

وفصول آدمية

ومناهج حديثة

وإدارة رشيدة

وإمكانات متساوية

ونظام يضمن للطفل الفقير ما يضمنه للطفل الغني

أما أن نترك المدرسة الحكومية تتراجع ثم نقول إن الحل هو إنشاء بدائل مرتفعة التكلفة فإننا بذلك لا نعالج أزمة التعليم بل نعيد توزيع فرص التعليم وفقا للقدرة المالية

والأخطر من ذلك أن يصبح التعليم ساحة للمصالح التجارية وأن يدخل منطق الربح إلى مؤسسة يفترض أن يكون هدفها الأول بناء الإنسان

فحين يصبح السؤال الأول كم ستدفع كي يتعلم ابنك فإننا نكون قد ابتعدنا كثيرا عن جوهر العدالة

وحين يصبح السؤال عن قيمة المدرسة قبل السؤال عن جودة التعليم فإننا نكون قد بدأنا في تحويل العلم إلى سوق

إن مصر لا تحتاج إلى تعليم ياباني أو أمريكي أو أوروبي بالمعنى الذي يجعلنا نستورد هوية تعليمية كاملة من الخارج بل تحتاج إلى تعليم مصري قوي يستفيد من خبرات العالم دون أن يفقد شخصيته ويأخذ من الآخرين ما يناسبه ثم يعيد صياغته وفقا لاحتياجات المجتمع المصري

نريد أن يتعلم طفلنا الانضباط ولكن بروح مصرية

نريد أن يتعلم التعاون ولكن داخل بيئته وثقافته

نريد أن يتعلم المهارات الحياتية ولكن بما يتناسب مع واقعه

نريد أن نفتح أمامه أبواب العالم دون أن نغلق في وجهه باب هويته

فالتطوير الحقيقي لا يعني أن نهدم ما لدينا ونستبدله بنموذج مستورد وإنما يعني أن نصلح ما فسد ونبني ما ينقصنا ونمنح كل طفل فرصة حقيقية في تعليم محترم

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن هو أن يصبح التعليم امتيازا للأغنياء وحدهم لأن الفقر حين يحرم الإنسان من الطعام يؤلمه في يومه أما حين يحرم من التعليم فإنه قد يحكم عليه وعلى أبنائه بالفقر لأجيال

لذلك فإن الدفاع عن مجانية التعليم وجودته وعدالته ليس دفاعا عن الفقراء وحدهم بل دفاع عن مستقبل مصر كلها

فالمدرسة الحكومية القوية ليست عبئا على الدولة بل هي صمام أمان للمجتمع

والتعليم العادل ليس رفاهية بل ضرورة لبقاء الدولة متماسكة

وتكافؤ الفرص ليس شعارا يكتب في الدساتير ثم ينسى في الواقع بل هو أساس الاستقرار الحقيقي

وحين يصبح المال هو المفتاح الوحيد للعلم فإننا لا نبني أجيالا بل نبني فجوة اجتماعية لا يعرف أحد أين تنتهي

اللهم إني قد بلغت

اللهم فاشهد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى