
بقلم/نشأت البسيوني
لم يكن يبحث عن الكثير هو فقط كان يريد كتفا ينام عليه كما كان يفعل قديما قبل أن تطفئ الأقدار الضوء الأخير في عيني من أحب منذ تلك الليلة التي أسدل فيها الغياب ستائره الثقيلة على روحه لم يعد يشعر أن الحياة تتسع له صار يعيش في زحمة الناس بقلب فارغ وفي دفء البيوت بداخل يهتز بردا كان يعلم أن الموت لا يأخذ الجسد فقط بل يأخذ معه صورة الأمان التي لا تستعاد مهما
تغير من حوله واليوم حين جاءته امرأة أخرى تمد يدها إليه تحاول أن تكون وطنا جديدا وجد نفسه يقف أمام سؤال لا يملك شجاعة الإجابة عنه هل من خانته الراحة يمكن أن يجدها مرة أخرى القلب الذي فقد بيته لم يكن الرجل يخشى الفقد كان يخاف من الشيء الذي يأتي بعد الفقد الفراغ ذلك الفراغ الذي يجلس على صدره كل مساء يمنعه من النوم ويذكره أن هناك حبا دفن ذات يوم ولم تدفن
معه آثاره لم يكن يذكر تفاصيل كثيرة ولا يحتفظ بصور لكنه كان يحمل إحساسا لا يختفي إحساس أن هناك من كان يكمله دون أن يتكلم اليوم كلما نظرت إليه حبيبته الحالية بعينيها القلقتين يشعر بالذنب وكأنه يخون الراحلة بمجرد أن يحاول أن يكون سعيدا ويخون الحاضرة كلما فشل أن يعطيها قلبا كاملا أي ظلم أشد من قلب ممزق إلى نصفين نصف يمشي خلف من رحلت ونصف يحاول
أن يظهر للحياة أنه ما زال قادرا على الحب امرأة تحاول ورجل لا يستطيع لم تكن المرأة الحالية قليلة حنان ولا قليلة خوف عليه كانت تقف أمامه بكل ما تستطيع من دفء وتقول له بصوت يتهدج أنا بحبك بس انت مش هنا وكان هو يعرف يعرف أنه يقف أمامها بجسد نصفه حاضر ونصفه غائب تعرف المرأة حين لا تكون الأولى في قلب الرجل وهو يعرف ذلك ويعرف أن الحقيقة توجعه وتوجعها
لكن ماذا يفعل كيف يقنع قلبه أن يرتب جراحه لكي يمنح غيرها مكانا هادئا القلب ليس غرفة يعاد تنظيمها إنه مدينة تنهار ثم تبقى أطلالها شاهدة للأبد الوجع الذي لا يقال لم يكن يحكي لأحد كان يحتفظ بكل شيء في صدره كأنه يخبئ طفلا هشا يخاف أن يجرحه الهواء كان يخاف أن يقول لها أنا تعبت من محاولاتي أن أكون رجلا كاملا وأنا نصف رجل بعد رحيلها ويخاف أن يقول
للراحلة سامحيني أنا أحاول أن أحب مرة أخرى كي لا أموت ويخاف من نفسه من تلك المساحة التي لا يراها أحد المساحة التي يقف فيها بين امرأتين واحدة غابت ولم تغادر وأخرى حاضرة لكنها لا تصل صراع لا يرى أقسى صراعات الإنسان تلك التي لا يفهمها أحد الصراع بين واجبه وحنينه بين الواقع والذاكرة بين ما يحتاجه وما يخاف منه كان يريد أن يضع رأسه على صدرها ويقول لها
خديني من نفسي أنا مش لاقي راحتي لكن الكلمات تخونه والقلب يشده إلى الوراء والواقع يدفعه إلى الأمام وهو عالق في المنتصف كحجر لا ينتمي إلى الأرض ولا السماء حين يصبح الحنين مرضا لم يعد حنينا عاديا أصبح حالة مزمنة صوتا منخفضا في قلبه لا يسكت حين تكلمه الحبيبة الجديدة تحاول أن تمنحه حياة لكن قلبه يعمل بطريقة غريبة يسترجع الماضي تلقائيا يقارن دون قصد
يبحث عن شيء ضاع ولن يعود هو لا يريد أن يظلمها ولا يريد أن يكذب على نفسه فهو يعرف أن المرأة لا تريد جزءا من رجل تريد قلبا كاملا صدقا كاملا حضورا كاملا وهو بكل ما فيه غير كامل أشد ما يوجع أن تكون مع أحد ولا تكون معه الوجع ليس في الفقد بل في العجز عن أن تكون كما ينتظر منك الآخر أن تنظر في عين امرأة تحبك وتعرف أنك لا تستطيع أن تعطيها الأمان الذي تستحقه أن
تشعر أنها تبني لك بيتا بينما أنت تقف على باب بيت قديم لم تغادره كم من رجل يبتسم وهو مهزوم من الداخل وكم من امرأة تحب رجلا يده في يدها وروحه في مكان آخر وماذا بعد هل سيتركها هل سيبقى هل يستطيع أن ينسى هل يستطيع أن يبدأ من جديد لا أحد يعرف حتى هو لكن الحقيقة الوحيدة التي يعرفها هي أنه لم يطلب يوما أن يكون ممزقا ولا اختار أن يعيش بين زمنين كل ما أراده هو
أن يشعر بنفس الراحة التي كانت تعطيها له الراحلة الراحة التي لا يجدها الان مهما حاول التي لا تقال للناس بل تقال للقلب فقط ليس كل رجل يبحث عن الحب بعض الرجال يبحثون عن راحة كانت تشبه وطنا ثم هدمت فجأة هو لا يقسو على من أحبته الآن هو فقط يقسو على نفسه لأنه لم يستطع أن يقتلع الألم من جذوره ولأنه كلما حاول أن يكون حاضرا سحبه الماضي من يده وقال له
لسه ليا مكان ليست نهاية قصة عاطفية بل نهاية رجل يسير في طريق طويل يحمل في داخله جنازة قديمة وحبا جديدا ولا يعرف أيهما سيصل به أولا لكن الشيء الذي لا يشك فيه أحد أن هذا الرجل لم يفقد القدرة على الحب بل فقد القدرة على الاطمئنان وهو يحاول يحاول أن يجد الراحة التي تشبه تلك التي غابت وربما في لحظة مافي حضن ما في كلمة مايجد قلبه أخيرا مكانا يتنفس فيه دون خوف

