قصص

حين عمِيَ البصر


قصة قصيرة
بقلم الكاتب ياسر زينهم
كان شاباً عادياً
لا يعرف طرق الدنيا الملتوية ولا يفهم في لغة الأقنعة
كل ما كان يجيده هو العمل
يعرق، ويبني ويحلم ببيت صغير وأسرة دافئة
تزوج
وحين وضع المفتاح في باب بيته أول مرة شعر أن المسؤولية صارت قميصاً يلبسه ولا يخلعه
بدأ يكافح
وربنا كان يبارك له خطوة خطوة
السقطة الأولى
حتى جاء القدر برجال لا يشبهونه
كانوا يتقنون التمثيل
يقولون له أنت تستحق أكثر الدنيا تأكل الضعيف إحنا أخواتك
كانت كلماتهم معسولة كالعسل المسموم
ولقلة خبرته صدّق
ومدّ يده لما لا يليق به
وقع في المحظور
لكن لم يطل المقام
قبل أن يغرق مدّ الله له يداً
صحوة فجائية ورعشة خوف وتوبة صادقة في جوف الليل
خرج من المستنقع قبل أن يبتلعه
وعاد لبيته ولرزقه الحلال ولنفسه
سنوات البناء
مرت السنين
بنى اسمه من جديد
طوبة طوبة
استعاد ثقة الناس وثقته في نفسه
وكان يظن أن الدرس قد انتهى وأن العين صارت ترى بوضوح
السقطة الثانية وكانت أعمق
حتى عادت الأفاعي
لكن هذه المرة بجلد جديد وبقسم على المصحف وبكلمة عهد ووفاء
سموها صداقة
وسموها إخلاص
وأقنعوه أن الخطأ صواب وأن الصواب سذاجة
فانطفأ بصره الداخلي
بدأ يدافع عنهم ويخسر من أجلهِم ويبرر لهم، وهو لا يدري أنه يخسر نفسه
خسر مالاً
خسر علاقات
خسر راحة بال
حتى جاء اليوم الذي أراد الله فيه أن يوقظه ولكن بقوة أكبر
صدمة
اكتشف أن من أقسموا له بالوفاء كانوا أول من باعوه
وأن من نادوه أخاً كانوا يحفرون له الحفرة
جلس وحيداً في بيته
لم يبكِ على الخسارة
بكى على الوقت الذي ضاع وهو يرى الباطل حقاً
ثم رفع يده إلى السماء وقال الحمدلله الذي نجّاني مرة وعلّمني مرتين
فهم أخيراً
أن بعض الدروس لا يرسلها الله إلا قاسية حتى لا نعود إليها أبداً
وأن النجاة الحقيقية ليست في أن لا تقع بل في أن تعود أسرع وأقوى وأبصر
ومن يومها صار لا يصدق الكلام بل يصدق المواقف
ولا يصاحب إلا من يشبهه في السر كما في العلن
وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم

الأفاعي في ثوب الصحاب
كان شاب جدع وشايل بيته على كتافه
لا يعرف اللف والدوران ولا في قلبه خرابها
بس الدنيا غدارة والسم ساعات بيبقى في الكلام
قابلوه بضحكة وقالوا له انت تستاهل
الدنيا عايزة اللي يبقى فهلوي ويعامل
صدق كلامهم المعسول ومد إيده للغلط
بس ربنا كبير فاق قبل ما يبقى سقط
قال استغفر يا رب ورجع لبيته وتاب
وقال الحلال يكفيني حتى لو العيشة صعاب
عدت سنين وبنى اسمه من جديد
عرق وتعب والناس رجعت تاني تريد
قال خلاص اتعلمت وبقيت بشوف بنور
ونسي إن فيه أفاعي بتلبس توب النور
رجعوا تاني بس المرة دي بحلفان
قالوا عهد ووفاء وقالوا إخوات من زمان
عمّوه خلوه يشوف الصح غلط
والغلط هو الصح وضحكوا عليه بالصوت
خسر فلوسه وخسر ناسه وهو فاكر بيكسب
وهما من وراه بيحفروا له القبر
لحد ما ربنا أراد وكشف لهم الستار
لقاهم باعوه وهما اللي قالوا له اختار
قعد لوحده وبكى مش على الفلوس اللي راحت
بكى على عمره اللي ضاع وهو ساكت
ورفع إيده وقال يا رب لك الحمد
الدرس كان قاسي بس خلاني بقى عندي حد
ومن يوميها مبقاش يصدق كلام
بيصدق المواقف واللي وقت الشدة بان
الخلاصة في الكبسولة
مش كل اللي بيبتسم صاحب ومش كل اللي بيحلف صادق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى