بقلم د.إسلام إسماعيل أبوزيد
عضو اتحاد المؤرخين العرب
ما يميز جمال حمدان عن الذين كتبوا عن مصر هي عبقريته زائد موهبته وثقافته الموسوعية فهو مفكر وأديب وباحث عميق؛ وبدا ذلك واضحاً في تناوله لتاريخ مصر من كل جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وعلاقة كل ذلك بساكن القطر المصري على امتداد حقبه الطويلة منذ نشأة الحضارة ليصل بها لوقتنا المعاصر ليقف: المصري على سر شخصيته كلما: تقدم في القراءة في سفره النفيس ،وفق المؤلف أيضاً بصياغة: فكرة الروح المطلق المجردة قبل اشتباكها مع الواقع كما في فلسفة هيجل المثالية وتتمثل في روح مطلق يدير حركة التاريخ لتتحقق كاملة في نهاية المطاف، من سيرورة لا تكف عن تجاوز نفسها ،متحولة لصيرورة جديدة، في عملية ارتقاء وعلو مستمر بداخل العقل الكلي للكون كما شرح باستفاضة أن انتماء مصر للعروبة ولا يتعارض مع انتمائها للإسلام ولا لكونها دولة افريقية، وجزء منها يتبع قارة آسيا ؛ كما ينتمي الفرد لأسرته ثم لقريته، ولا يمنع ذلك انتمائه للمحافظة في نفس الوقت.
لم استسغ يوما جملة ( مصر هبة النيل) لأبو التاريخ: هروديت وكأن النيل منفرداً هو من قام بصنع الحضارة لينسبها بعد ذلك المصري لنفسه شيئاً لا يستحقه، وكأنه المصري لم يكن هو اول من قام بصنع الحضارة ؛ ظهر البسيطة دون مثال سابق قد تكون هذه الجملة التي احتلت أذهان الناس لكثرة تكرارها لم يستطع التاريخ لها محوا، وأنها تستحق الذكر والاهتمام من الصفوة: قبل العامة لمجرد أن قائلها : هروديت ،هذه الجملة تختزل وتختصر تاريخ مصر بنسبة نشأة حضارتها لظاهرة طبيعية ليس المصري فيها فضل’ وهذا ليس تقليلا من أهمية النيل عند المصريين فقد صار النيل لدي المصري منذ الازل المعادل الموضوعي للحياة ، فمن يدقق في هذه الجملة الملغزة يجدها تفضي: لبابا واسعا مشحونة بدلالات ثرية عن نشأة الحضارة وتفتح آفاق رحبة للمناقشة ,وقد شرح الدكتور حمدان ما اجمله هروديت باستفاضة وفصله وكأننا نشاهد الشعب المصري وهو يقوم بتشييد الحضارة .
تاريخ مصر هو تاريخ الحضارة الإنسانية ، لا يخص مصر وحدها وان كان من صنعها،لأنه البداية التي انطلقت منه اول جماعة في ماضي الدنيا السحيق وكان قدرها الذي فرضته عليها أمواج نهر النيل: الغاضبة العاتية الثائرة اثناء هجومه المتواصل بنشاط في وقت معلوم من كل عام على ؛ يابسة مصر مغرقا مساحات شاسعة من رقعتها الزراعية حارما بذلك المصري من الانتفاع بخيرات ارضه، فى توقيت لا يخطئه، فقبل المصري التحدي وكان رد فعله يتمثل في ؛نشأة الحضارة على جانبي النهر : اتفاق جماعة من الناس على عمل مشترك ملخصه: تصديهم لثورة النهر وقهرت وتطويعه لرغبتهم والحد من عنفوان جنونه المدمر ، بإغارته المتكررة على رقعة الارض الخضراء فاعدوا له العدة ، بأكبر عملية ترويض له مدركين أن عدم نجاحهم لن يستحقوا مكان تحت الشمس وحرمانهم من العيش على ضفتيه، متسلحين لأول في تاريخ البشرية: بقراءة قوانين الطبيعة فقاموا بشق قنوات جانبية قبل موعد ثورته فيضانه وأنشأوا سدودا لتحويل المياه بداخلها قبل وصول مياهه الجامحة واعلان ثورته لتتسرب كميات مهولة منه بداخل تلك القنوات فكف بذلك غضبه وثورته بنسبة كبيرة.
وكان هذا العمل المشترك هو نواة بذرة الحضارة البشرية لكون نجاح الانسان ف تطويع الطبيعة بنفاذه لسر قوانينها على غير مثال سابق ثم توظيفها لدفع عجلة الحياة للأمام ورقي عيش الإنسان على الكوكب، وبذلك الفعل خرج شعب مصر من حالة الفرد الذي يعيش لنفسه، لا تربطه صله أو مصلحة مشتركة مع غيره من الناس ،لا يخطط لغده بروح الجماعة التي يجمعها هدفاً مشتركاً لا يستطيع شخص منفرداً القيام بها ، ويكمن هنا سر بداية نشأة الحضارة وبدايتها وقيام الدولة الأولى على الأرض ، والسبب الرئيسي في ذلك عندما اتفقت مجموعة من الناس لأول مرة في تاريخ البشرية للقيام بعمل جماعي يحقق مصلحة مشتركة فكان: مولد الحضارة لأول مرة على الأرض بترويض المصري للنهر والسيطرة عليه وقفت على سر ذلك بصورة جلية بوضوح شديد كلما تقدمت في كتاب شخصية مصر لجمال حمدان، أو تتضح جملة هروديت مصر هبة النيل وهذا شرح وتفصيل جمال حمدان لما اجمله هروديت في جملته مصر هبة النيل فمن العدل والانصاف أن تكتب مصر هبة المصريين.
بعد شق الشعب المصري لترع جانبية، ومصارف لري الأرض طول العام ،بعد تقسيمها لأحواض فرض دخول المصري عصر الزراعة حاجته لحكومة تقوم بأمر هذه الجماعة وسنها قوانين تحمي الحقوق زارع الوادي وقضاة للفصل فيما ينشأ بينهم من خصومة : فنشأ جهاز لأول دولة على الارض وتم تعيين خفراء على الترع والمصارف وموظفين يقدرون حاجة كل مساحة من الأرض: لمياه ويشرفون على توزيعها ، فنشأت هذه الحكومة كضرورة فرضها منطق التطور وكانت تلك الحكومة بداية :الميري في بر مصر و تعظمت مكانة الميري في النفوس بمرور الوقت لعلاقة تصلها بالفرعون حتي كانت الجملة الشهيرة “إن فاتك الميري تمرغ في ترابه” اي في عدم استطاعتك الحصول على وظيفة فلتكن على علاقة بالسطة وهذا النظام لم يكن للدنيا عهد به، ولم تستلهمه مصر من تجربة أمة اخرى ،لأنه لم يكن معمول به في أي رقعة على ظهر البسيطة فمصر اول من دشنته.
نشأت الحكومة إذا في أول الامر من تنظم سير عملية؛الرى،وتوزيع المياه ومقاييس منسوبها والجسور والسدود والقناطر ثم توالت التشريعات والقوانين ، تربع على رأسها الفرعون وأصبح على سلطة الهرم، و لكى يخضع الشعب له راضيا قانعا عن طيب خاطر، ولأوامره فلابد أن يكون الفرعون؛ مختلفا عن رعيته فكيف يحكمهم وهو من جنسهم ففي هذه الحالة؛ يحق لأي فرد من الرعية المطالبة بحكم مصر وهذه التفرقة التي؛ اكتسبت صفة القداسة والعقيدة الدينية هي ما تفتق عنه ذهن الكهنة : المقربين من رأس السلطة وهو ؛اخطر جهاز عمل في مصر ؛لكونها من تقوم بتشكيل الرأي العام ، وتكوين العقل الجمعي لشعب مصر الذي يوافق رأي و رغبة الفرعون، بما تبثه الكهنة من أفكار تصله بالسماء وتؤكد مفارقته لجنس شعبه ،ولذلك آمن على منصبه بتجاوزه لهم ومفارقته لصفاتهم؛ فاستحق بعدها القداسة فلم يكتفي الكهنة بذلك فقاموا برفع نسبه للآلهة ليأمنوا ضمنيا على أنفسهم بعملهم مع نصف اله وليس ملكا من البشر، ولم يكتفي الشعب بكون الفرعون مفارقا لهم ولكنه بإيحاء وتحريض خفي من الكهنة كانوا يلصقون بملكهم وسيدهم كل صفة يتمناها خيالهم ان يتصف بها من يحكمهم، حتى غدا الفرعون صناعة من ذهن شعبه ينفخ فيه الكهنة، وليس حقيقة ومن هناك وليس من هنا لم يستطع حاكم اعتلاء سدة الحكم بغير كهنة يصنعونه وجهاز اعلام يروج له في أدمغة الناس ويشكلها: ليشعر بعدها الشعب بالفخر الشعب والعزة والسعادة ، لأن من يحكمه مفارق لجنسه وعلامة هذا الاختلاف هي ارتقاءه سدة الحكم ظل التاريخ يرفع ويخفض يمحو ويثبت ولكن الكهانة ظلت الى يومنا هذا ولم يستطيع التاريخ محوها .
كتاب جمال حمدان” شخصية مصر” احدى المحولات النادرة لفهم شخصية مصر ودورها على مدار التاريخ بناء على نظريات العلم الحديث ،بتأثيرها في المكان وتأثرها به في علاقة جدلية، وكأنه أخضع فيه أرضها لنفسه بتمثلها وهضمها بسهولها وبدلتاها وفيافيها ودروبها.. وكأنه قبض بكفيه ،على كل ذرة تراب، وحبة رمل فيها.. واخضعها لعقله يدرس ويحلل.. يفرز السمين من الغث شهور أثناء القراءة بأنه توغل في أعماق الحشا وسرى بداخل كرات الدم في عروقنا، فبدت فلسفته واضحة تماماً أو بمعني اصح خطراته الفكرية العميقة التي تسربت ف كل سطور الكتاب ،قد يكون جمال حمدان صفعنا على وجوهنا وصدمنا بمؤلفه شخصية مصر ولكنها صفعة المحب الذي يريد لنا أن نفيق من غفلتنا.

